استطلاعاتقضايا المسار

“الأكثر مبيعاً”.. أرقام بيع ميتافيزيقية ومحتوى هزيل

مثله مثل العوالم الأخرى، فإن عالم التأليف والنشر والكتب يمر بمراحل وتدخل عليه ظواهر، وأحد أبرز هذه الظواهر هي عبارة “الأكثر مبيعاً” التي ترقد على أغلفة الكتب، والتي عثت في هذا العالم  فساداً ، ودفعت بالعديد من الكتب إلى الواجهة دون معايير مقنعة ، وأصبحت قوائم الأكثر مبيعاً والتي تصدر من عدة جهات على رأسها جريدة “النيويورك تايمز” بمثابة الدليل الذي يتكئ عليه  القراء في إختيار الكتب، حتى لو لم تتقاطع مع اهتماماتهم ، وهذا ما أطاح بالذائقة الروائية والأدبية عند القراء وأدى إلى انحدار ثقافي.

أصبحت كتب الاكثر مبيعاً مدرجة على قائمة تفضيلات القراء التي يعدونها قبيل معارض الكتب، وانتشرت الكتب ذات المحتوى الهزيل والفارغ على حساب كتب ذات قيمة وجودة أدبية، وبات عدد بيع النسخ واللهاث الجماهيري خلفها هو معيار يقاس به جودة الكتاب، وهذا إجحاف بحق بعض الكتب التي لا تلق الرواج نفسه، وتكون ذات قيمة كبيرة، وما من دليل أفضل على ذلك من أن كتب عمداء الأدب ومؤسسيه كانت تطبع في عدد محدود من النسخ، وتباع بمبالغ زهيدة. ولكن يبقى السؤال ، هل الكتب الأكثر مبيعاً هي الأفضل محتوىً؟، وكيف نحول دون انسياق القارئ وورائها؟ وماهي المعايير التي تدخل بها الكتب في مضمار الأكثر مبيعاً؟، اجابات هذه الاسئلة والكثير عن هذه الظاهرة متعددة الملامح والجوانب مع كوكبة من نجوم الأدب في سماء الثقافة العمانية.

المسار استطلاع | أحــلام الحاتمية

  • الهنائي: قبل شراء الكتاب أتصفح محتوياته من الفهرس وأقرأ ما على غلاف الكتاب من مراجعات وآراء وخلاصات
  • العبري: كم من كتاب عميق معرفيًا إلا أنه لا يلق حظه من الانتشار ما يلقاه غيره من الكتب الأقل عمقًا؛ فكون  الكتاب هو الأكثر مبيعًا لا يعني بحال أنه الأفضل معرفيًا
  • الشامسي: الأكثر مبيعًا هي خدعة تجارية بهدف جعل الناس يقبلون على شراء كتاب معين
  • النوفلي:  قيمة الكتاب في محتواه و في الأفكار التي يطرحها
  • العجمي: هذه الظاهرة برزت في مطلع تسعينيات القرن الماضي لكتاب ظهروا آنذاك ثم اختفوا فجأة
  • ليلى عيسى: شهرة بعض الشخصيات تلعب دور في حجم مبيعات كتبها
  • الحضرمية: الكتاب الأكثر مبيعاً ليس مفيداً بالضرورة
  • الصوافي: هذه الظاهرة ساهمت في زيادة مبيعات بعض الكتب التي لا ترتقى لمستويات الإبداع الفكري والكتابي

عن رأيه في الظاهرة يقول سعادة الدكتور عبد الملك الهنائي:  “انا لا أشتري الكتب على أساس أنها الأكثر مبيعاً،  وإنما على أساس موضوع الكتاب، وما إذا كان قد أتى بجديد يضيفه إلي، وهنا أتصفح محتويات الكتاب من الفهرس، كذلك اقرأ على غلاف الكتاب من مراجعات وآراء وخلاصات وهي غالبًا ما تكون آراء لمفكرين، أو صحف، أو مجلات معروفة”.

د. عبد الملك الهنائي

ترويج دعائي

و ترتبط المسألة برأي بدر بن سالم العبري، باحث وكاتب ومفكر عماني بالدعاية والإعلان ، ” الأكثر مبيعا دعاية، وقد تكون لأسباب تعود إلى مؤلف الكتاب، أو محتواه أو إلى الناشر، ولكن غالباً ما تكون لأسباب وهمية ودعايات ملفقة، إلا أنه من المتفق مبدئياً بين الجميع، أنه لا علاقة بين محتوى الكتاب وكونه الأكثر مبيعاً، فكم من كتاب عميق معرفياً إلا أنه لا يلق حظه من الإنتشار ما يلقاه غيره من الكتب الأقل عمقاً، فكون  الكتاب اكثر مبيعاً لا يعني بحال أنه الأفضل معرفياً، وهذا لا يعني التقليل منه إذا كانت المعايير منصفة ودقيقة، ولكنها في الغالب ليست دقيفة، وقد يقف ورائها دعايات إعلامية وسياسية ودينية؛ لإقناع جمهور أكبر بفكرة ما، أو لتحقيق أكبر ربح من وراء الكتاب”.

ويشبه العبري الحال بالأغاني،  ” فخذ مثلاً أغنية حققت أكثر مشاهدات في فترة وجيزة، فهذا لا يعني بأنها الأفضل من حيث اللحن والكلمات والصوت، ولكن قد يكون هناك سبب جعلها في المقدمة وأخر الأفضل منها”.

بدر العبري

ويشارك سعيد الشامسي، مثقف و أستاذ تاريخ العبري في رأيه بأن بالترويج التجاري للكتب هو وراء ظاهرة الاكثر مبيعاً، فيقول الشامسي  ” كون الكتاب أكثر مبيعاً هذا لا يعني بأنه كتاب ذو قيمة، وكثيراً ما نرى دور النشر تروج لكتبها على أنها الأكثر مبيعاً، والاكثر مبيعاً هي من وجهة نظري خدعة تجارية بهدف جعل الناس يقبلون على شراء كتاب معين”.

اما أحلام الحضرمية ، شاعرة عمانية فتؤكد على أن الأكثر مبيعا هي عبارة تسويقية : “شراء الكتب قد يكون شغفاً وقد يكون هواية، وربما يكون عادة لدى البعض وكثير من الناس يميلون إلى إقتناء الكتب لإيمانهم بأهمية القراءة في حياتهم لكن إكتساب عادة القراءة كاكتساب عادة شراء الكتب”.

وتستدرك الحضرمية قائلة : عبارة “الكتاب الأكثر مبيعاً” هي عبارة تسويقية لا أكثر، وربما يلاحظ الكثير منا بأن هذه العبارة توجد على أغلفة الكتب قي مجالات محددة، في حين لا توجد على أغلفة كتب أخرى ربما تحقق مبيعات خيالية في حقيقتها نظراً إلى عمق مستواها ومحتواها، وربما مرت عليها مئات السنين وطبعات وتنقيحات مختلفة وكثيرة، في النهاية على القارئ أن يتذكر بأن الكتاب الأكثر مبيعاً ليس مفيدا بالضرورة.

الكتب التي تفتح شهية القارئ

وعن ما يندرج غالباً  تحت الأكثر مبيعاً يقول العبري ، كتب الطبخ والروايات الغرامية والقصص البوليسية أو كتب السحر  والخرافات ، هي الأكثر رواجاً وانتشاراً ، وقد يكون انتشار الكتب وبيعها بأعداد كبيرة هو سبب ظرفي، فقد يكتب شخص عن حادثة ظرفية أحدثت ضجة في مكان ما ، ويحقق انتشاراً كبيراً، حتى لو كان محتواه هزيلاً في جملته، إلا أن ظرفية الحادثة أدت الى انتشاره.

ويمضي العبري قائلاً  “أحياناً يكون منع الكتاب من التداول هو أحد أسباب انتشاره فكل ممنوع مرغوب كما يقال ، فاذا أردت الترويج لكتاب فقل بأنه منع ، “واذا أراد الله نشر فضيلة طويت ، أتاح لها لسان حسود” ، كما قال  أبو تمام”.

اختيار الكتب مهارة

أما أحمد النوفلي كاتب وباحث عماني ، صاحب سلسلة كتب “أقانيم اللامعقول” فيقول:  بأنه لا يؤمن بفكرة الأكثر مبيعاً في الكتب،  ولا يختار على أساسها ولا ينجر ورائها،  ” لا اذكر ابداً بأنني سعيت لاشتراء الكتب على أساس أنها  الأكثر مبيعاً. و أعتبر ذلك ترويجاً يغتر به من لا يعرف قيمة الكتب وقيمة القراء”.

ويستدرك النوفلي حديثه ” فالكتاب قيمته في الأفكار التي يطرحها، وقيمة المقروء تختلف من قارئ إلى قارئ؛ بسبب اختلاف الأهداف والرؤى والثقافة والمعرفة”.

وعن طريقته في إختيار الكتب يقول النوفلي: “أُفضل أن أختار الكتب التي تنير فكري، وتضيف لمعرفتي، أو تثير في ذهني التساؤلات، حتى لو كان من كتبها غير معروف، أو حتى اذا كان الكتاب لم يم بيع نسخة منه من قبل”.

أحمد النوفلي

بيع للوهم 

اما عبدالله العجمي كاتب وصاحب كتاب ” اشراقات فكرية معاصرة”،   فوصف  الأكثر مبيعا بالإكذوبة قائلاً :” إكذوبة الكتاب الأكثر مبيعاً نراها تبرز غالبًا في المعارض الدولية للكتاب، ولا أعلم علام استدل هؤلاء ؛ هل هناك معيار أو إحصائيات ذات مصداقية يمكن الإعتماد عليها في هذا الشأن؟ ، وفي المقابل فإن نفاد كتاب ما لا يدل بالضرورة على إنه الأكثر مبيعاً”.

وأضاف العجمي بأن مبيعات الكتب تتم غالباً بالطريقة التقليدية التي لا يمكن الركون إليها في الإستدلال على الأمر.

واسترسل حديثه ” الملفت للنظر أن هذه الظاهرة كان بروزها في مطلع تسعينيات القرن الماضي لكتاب ظهروا آنذاك ثم اختفوا فجأة، وهو دليل على أن الموضوع دعائي وإعلاني أكثر من كونه فعلي وحقيقي”.

عبد الله العجمي

شهرة الكاتب

فيما ترى ليلى عيسى، كاتبة عمانية ، بأن  الكتب الاكثر مبيعاً بعضها فعلاً قد وصلت لتلك المرحلة من  المبيعات لجودتها وسمعة كاتبها ، ومع التسويق ازدادت انتشاراً، أما بعضها الآخر فلعب التسويق عامل جذب أساسي له، كما أن شهرة بعض الشخصيات تلعب دوراً في حجم مبيعات كتبه؛ لكونه شخصية ظهرت فعرفها الناس. أما بعض الكتب فليست بالضرورة هي الأكثر مبيعاً لكن أصحاب المتاجر يضعونها هناك للفت الانتباه.

ويشارك العبري ليلى في رأيها موضحاً  ” قد تكون منزلة الكاتب وشهرته السياسية أو الدينية، وغالباً الفنية والرياضية سبباً في أن يحقق الكتاب مبيعات كبيرة، واحياناً تكفي صورته على الكتاب ليحقق مبيعات أكبر، فكيف اذا كان هو من كتب الكتاب”.

لا علاقة بين أرقام بيع الكتاب وجودة محتواه

محمد الصوافي، كاتب صحفي ومدرب معتمد ، فضل أن يطلق على الظاهرة  ” موضة” مشيراً إلى أنها انتشرت بشكل واسع في الترويج لبعض الكتب والكتاب في الاواني الأخيرة، والتي بدورها ساهمت في زيادة مبيعات بعض الكتب التي لا ترقى لمستويات الابداع الفكري والكتابي، “و من وجهة نظري فان هذه الظاهرة انتشرت بهدف الترويج لبعض دور النشر وبعض الكتب فقط ، حيث نجد عبارة الأكثر مبيعاً في العديد من الكتب في بعض دور النشر،  ولو نظرنا في محتواها لنتعجب، هل بالفعل هذا الكتاب من الكتب الأكثر مبيعاً؟”.

ويمضي الصوافي قائلاً ” انا شخصياً وقعت في فخ الأكثر مبيعاً، حيث اقتنيت ثلاثة كتب في أحد السنوات من معرض الكتاب، إلا أنني تفاجأت في محتويات الكتب من الناحية الأدبية وصياغة المحتوى، و لكن الآن اتضح لدي ولدى معظم القراء أن عبارة الأكثر مبيعاً على غلاف الكتاب ما هي الا دعاية وترويج فقط؛ لأجل حمل الناس على شراء هذه النوعية من الكتب”.

محمد الصوافي

كوميديا سوداء

ويحكي لنا الصوافي موقف طريف ولكنه محزن في ذات الوقت ” خلال زيارتي لأحد دور النشر تفاجأت بأن 70% بالمائة من الكتب المعروضة في هذه الدار كتب على غلافها الأكثر مبيعاً بعبارات مختلفة ولكن بنفس المعنى، وهذا دليل على عدم المصداقية من وجهة نظري”.

” الأكثر مبيعاً” طريدة من لا طريدة له 

ينصح الصوافي القراء بالتالي لكي لا تنطلي عليهم خدعة الأكثر مبيعاً ويقول ” لذلك يجب على القارء الانتباه أثناء إقتناء الكتب؛ لأن هناك كتب أجدر باقتناءها ، وشخصياً فإن هذه التجارب زادت من معرفتي للكتب وكيفية اقتنائها، فحالياً قبل أن اقتني أي كتاب لا بد أن أبحث في محتواه، وأسأل الأصدقاء واستمع لوجهات نظرهم، ثم أن المطالعة الأولى للكتاب وقراءة مقدمته وفصوله تعطيني انطباع اولي عن الكتاب، وما اذ سأقتنيه أم لا،  والنقطة الأهم هي إعداد قائمة مسبقة بالكتب التي أرغب باقتنائها من معرض الكتاب؛ لأن التركيز على عناوين محددة تبعد كل المشتتات في إقتناء كتب غير مرغوب بها؛ لذلك أنصح القراء باعداد مسبق لقائمة الكتب التي يرغبون بشرائها، والبحث عن محتواها”.

ويقدم العبري نصيحة للقراء هو الآخر ” عند إختيار الكتاب  على القارء أن لا ينخدع بمثل هذه الدعايات، فعليه في بادء الأمر أن ينظر الى محتوى الكتاب، وأن يعرف لمن يشتري؟، وماذا يشتري؟، حتى يكوِن مكتبة معرفية ذات جودة؛ تعينه مستقبلاً على القراءة الدقيقة والبحث الدقيق”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى