آراء الكتابمسارات

تماضر صادق تكتب لـ "المسار":

الأم والبنت.. صداقة الحب

آراء الكتاب:

الصحفية: تماضر صادق                            

tumather1993@hotmail.com

العلاقة التي يكون حصادها هو مستقبل مبني على المرونة والصدق، على التفاعل والتماهي، لا تحدث فجأة دون مقدمات، بل هي ممتدة في العمر إلى مرحلة تحقق الحلم الأمومي بالحمل، وهو الصيغة البيولوجية التي تقول للزوجة: مبروك، أنتِ حامل!

الانتظار الجميل

منذ لحظة معرفة المرأة أنها حامل، تبدأ في التشكل علاقة فريدة من نوعها بين الأم ومن يتخلق في رحمها، كائن جميل سيصل إلى الحياة الدنيا بعد فترة معينة، كائن تتغير معه وبه تفاصيل الليل والنهار، ويفتح اختبارات مختلفة لفتاة ستتغير نظرتها تجاه الأشياء من حولها، بينما هي تراقب نمو جنينها شهرا بعد الآخر. وخلال الشهور التسعة للحمل، تتشكل الكثير من المحددات، مثل تعود الجنين على صوت الأم، والحوارات التي تجريها الأم من طرف واحد مع جنينها؛ حيث تنشأ علاقة شعورية وجدانية بينهما، ومنها تبدأ سمات غير مألوفة في الظهور، تأتي من خلف ظلمات ثلاث، لن يلبث الجنين أن يتلمس ملامحها في مرحلة لاحقة من نشأتها، عندما يعرف من خلال شعورها ما كانت تعنيه تلك الأصوات والإيقاعات والهدهدات.

ملاك يبتسم

وعندما يحين اليوم المشهود، حيث سيصل الكائن الخفي إلى دنيانا، تطلق الأم حينئذ صرختها الكبرى، صرخة الحياة، صرخة الفرح بطفلة جميلة، تغرس في البيت وقلوب الأسرة بذور البهجة والسرور، فتزدان بها التفاصيل الصغيرة، لتبدأ مرحلة جديدة من توطيد العلاقة، وصنع نسيج بصري مباشر، من كل شيء تشاهده العين، ويختزنه اللاوعي. والطفلة الملاك تعبر شهرها وسنتها وسنتيها، حتى تصل إلى سن خمس سنوات، حينها تكون ملامح القرب بين الأم والطفلة غير عادية؛ إذ تكون مبنية على الاهتمام واللعب المشترك وتعلم قاموس الكلام والطباع، ونشوء كيمياء تواصل طويلة الأمد، على مدار الليل والنهار، لتتجذر شخصية الأم في داخل الطفلة الصغيرة، وتحتوي سنيْ تكوينها الأولى، ناهلة منها مختلف التفاصيل حول السلوك والحديث والتعامل اليومي والتشارك البيني والتفاعل مع المحيط، سواء كان صغيرا أو كبيرا، لكن الأهم هو معرفة الطفلة الصغيرة أن لديها مرشدة قريبة منها، تحبها وتعتني بها.

زغبُ الطفولة

الطفولة التي تبدأ من الروضة، ثم تمضي نحو التمهيدي، لتصل إلى الفصل الدراسي الأول، هي المرحلة التي تبدأ فيها حكايات القرب، وتبادل المشاهدات، ورواية الحكايات، وعدم الخوف من البوح، وطمأنينة ما قبل وما بعد الكلام، والشعور بالحضن والاحتواء.. كل هذا يشكل حائط حماية من أخطار يمكنها أن تستقر في ذاكرة الطفلة، ربما ليست على ما يرام، وربما ليست النهج الصحيح للعبور نحو المرحلة العمرية التالية، لهذا فإن الطفولة المبكرة هي عتبة الباب الأهم لكي تصل الأم والطفلة إلى مرحلة الطفولة العاقلة، وهي التي تدرك فيها الطفلة أن أمها هي الكائن الأوحد التي يمكنها أن تنصت لها دون ملل، وأن تنصح دون تأنيب، وأن تأمر من غير عصا، وأن تربي من غير قسوة.

صداقة متقدمة

وتمر السنون، وينشأ ذلك الشعور المختلف بين الأم وابنتها، شعور الصداقة الجميل، الذي يشعر فيه الطرفان أن لديهما أسرارهما المشتركة، وحواراتهما الصريحة، وتكاملهما المبهج.. تختفي صفة الأم والبنت، لتنشأ بدلا منهما الصديقتان، ولكن في الأعماق اللاواعية، تحضر الأم في البنت، وتحضر البنت في الأم، ولا يحصل ذلك التناقض بين كونهما صديقتين.

هذا هو الشعور الذي ينتج عن هكذا سيرة مشتركة، لتكون صمام أمان لمرحلة المراهقة؛ حيث ينحو الجنسان (الذكر والأنثى) إلى سمة الاستقلال والانعزال والتمرد، وربما يحصل ذلك بالفعل، ولكن بضوابط مرجعية بينية، بحيث تكون خطوات البنت معلومة مسبقًا لدى الأم؛ إذ لا تزال هي الحامية، ولكن بشكل مقبول ومتفق عليه.

أعتقد أنه على الأم أن تقرر قبل سنوات المراهقة أن تكون صديقة ابنتها، الصديقة المقربة، وليس أن يأتي هذا الشعور مقرونا بالرغبة نتيحة ظرف ما في مرحلة متأخرة، فهذا النوع من الصداقات معقد، ويحتاج اعتيادا وتدريبا وتجذيرا منذ الطفولة، ليكون الحصاد ملفتا ومريحا.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: