حوارات

العمل التطوعي.. بين إنماء المجتمعات والتنافس العشوائي

الإعلامي سليمان أولاد ثاني: البعض يستغل العمل التطوعي للشهرة والتباهي

المسار   |  حوارات

حوار | سارى بنت عبدالله البلوشية

يقول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه: {فمن تطوع خيرا فهو خير له}، سورة البقرة الآية ،184. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو ترد عنه جوعا”. وهي دعوة صريحة من الله ورسوله بضرورة العمل التطوعي كونه عبادة لها ما لها من أهمية بالغة في سد احتياجات أفراد المجتمع دون انتظار مقابل، والرقي بالمجتمعات، وتأصيل الأخلاق النبيلة، وتمكين قيم التعاون والتكاتف والترابط والشعور بالآخر وحب الخير بين أفراد المجتمع.

لذا أولت السلطنة اهتماما كبيرا بهذا العمل وعملت على تشجيع الأفراد والمؤسسات من أجل المبادرة ومباشرة هذا العمل وفق شروط وتنظيم وتخطيط، وليس أدل على ذلك من تخصيص والدنا الراحل السلطان قابوس بن سعيد رحمة الله عليه جائزة للعمل التطوعي، والتي تدعو الجميع للانخراط في هذا العمل والشعور بالانتماء وبذل الخير والعطاء لمن يحتاجه، وهو الذي يسهم إيجابا في رقي المجتمع.

سليمان بن عثمان بن سليمان أولاد ثاني من ولاية نزوى، موظف بالقطاع الحكومي وممارس لمهنة الإعلام، يحدثنا في الحوار التالي عن العمل التطوعي، مفهومه، مجالاته والعديد من جوانبه ودوره هو شخصيا في هذا الجانب وغيرها.. 

يعرف أولاد ثاني العمل التطوعي بأنه كل ما يقدمه الإنسان من قول أو فعل خدمة للبشرية، خالصا لوجه الله تعالى دون انتظار مقابل لذلك. ويرى أن هذا النوع من العمل ضروري التواجد في المجتمع، واصفا إياه بأنه عمل نبيل جدا لا يمكن أن يتجرد الإنسان منه حيث يعتبر أنه رافد كبير لحياة كريمة.

ركيزة من ركائز تنمية المجتمعات

وفي الحديث عن أهمية وأهداف العمل التطوعي، يقول أولاد ثاني: “للعمل التطوعي أهمية كبيرة فمن الجميل أن يمنح الإنسان ما يعده ثميناً للآخرين دونَ انتظار مقابل، إذ لا يوجد ما هو أغلى من الوقت والمال، فأن يهب الإنسان جزءاً من وقته أو ماله أو جهده، فهو في عداد المُتطوعين الساعين لخير المجتمع والإنسانيّة؛ حيث يُعدّ العمل التطوعي ركيزة من الركائز الهامة لرفعة الوطن وإنماء المجتمعات، ونشر قيم التعاون والترابط بين النّاس، إضافة لكونه سلوكاً إنسانيّاً فريداً يدل على مقدار عال من العطاء، والبذل وحب الخير للإنسانية جمعا”.

تقوية العلاقات الإنسانيّة

ويشير إلى أن أهداف العمل التطوعي تكمن في زيادة التكاتف بين أفرد المجتمع وتقوية العلاقات الإنسانيّة. إضافة إلى تطور المجتمع من جميع النواحي؛ فكما يبين أولاد ثاني أن قوة العلاقات الإنسانيّة تدفع نحو التنوير الثقافي والفكري، الذي بدوره يدفع بعجلة التقدّم إلى الأمام في المجتمعات على اختلافها. ويضيف أولاد ثاني أن من ضمن الأهداف أيضا، القضاء على العوز قدر الإمكان، مشيرا إلى أن كثيراً ما يتم التطوع سواء من قبل أفراد أو مؤسسات من أجل جمع تبرعات ماليّة للمحتاجين وطلبة الجامعات أو لعلاج مرضى السرطان أو حتى تقديم الرعاية لهم ولذويهم. كما يهدف العمل التطوعي حسبما بين ذلك أولاد ثاني إلى تعزيز التنافس الإيجابي بين الأفراد والجماعات، فالتطوع حاله كحال العديد من المجالات الإنسانية، التي يسعى الفرد من خلالها إلى تطوير عمله وأدائه بالمقارنة مع الآخرين، وهذا ما ينعكس إيجاباً على المجتمع، وعلى الأفراد الذين تُقدَّم لهم خدمة التطوع.

خالصا لوجه الله

ويذكر لنا أولاد ثاني المبادئ التي يجب أن يتحلى بها المتطوع وكيف يبرز مهارة التعامل مع الآخر، والتي تتجلى في الإخلاص، الأمانة، التضحية والإقدام على العمل بروح العطاء وليس التأفف. أما عن خصائص العمل التطوعي التي يجب أن تتوفر في العمل حتى نطلق عليه بأنه تطوعي، فيؤكد أولاد ثاني أنه عندما يكون العمل خالصا لوجه الله تعالى، وبنية العون وتقديم المساعدة، أو تغيير حال للأفضل، فهو يعد عملا تطوعيا. 

حقوق ومسؤوليات

ويذكر لنا أولاد ثاني مسؤوليات المتطوع التي يجب عليه القيام بها وواجباته قائلا: ” أولا، العمل بإخلاص لوجه الله تعالى وهذا أهم خلق يجب أن يتحلى به المتطوع، وأن يخرج من دائرة الرياء والابتعاد عن التباهي والتشهير بالآخرين في حال تقديم أي عون أو مساعدة “. مضيفا: “ثانيا، العمل بروح الفريق وهذا من أهم المسؤوليات لتنظيم العمل التطوعي. ثالثا، السرية والكتمان لأي معلومات أو تفاصيل قد تقدم للأسر المعسرة وغيرهم لأنها تعتبر أمانة. أما رابعا فهو، عدم استغلال أي عمل تطوعي لأغراض شخصية”.

في المقابل هناك حقوق لهذا المتطوع يجب أن تتوفر، وهي كما يخبرنا بها أولاد ثاني، العمل في بيئة آمنة وصحية، العدل في اختيار المتطوعين لأي عمل تطوعي ضمن فرص متساوية غير متحيزة، حق الحصول على معلومات حقيقية ودقيقة عن مؤسسات المجتمع المدني أو قوانين العمل التطوعي والإلتزام بالميثاق الوطني للتطوع. وأخيرا، الحق في الحصول على وصف لوظيفة المتطوع وساعات عمل متفق عليها لتحديد نوعها وتخصصها.

حاجة التطوع مع حاجة المجتمع

وتتزامن حاجة التطوع مع حاجة المجتمع والأفراد له كما يعبر عن ذلك أولاد ثاني مستدلا بالمبادرات الإنسانية والمجتمعية والفرق التطوعية التي تولد وتتسابق لسد الحاجة والطلب بمجرد حاجة المجتمع لذلك، الأمر الذي يدل على التعاون والتكاتف والترابط، وهي ميزة يتميز بها المجتمع العماني كما يشير إلى ذلك أولاد ثاني.

الشبكة العمانية للمتطوعين”تعاون”


ويحدثنا أولاد ثاني عن جانبه التطوعي قائلا: “بدأت العمل التطوعي منذ عام ٢٠٠٩م كمتطوع في الشبكة العمانية للمتطوعين (تعاون)، والتي من خلالها استفدت كثيرا، بل وأسهمت في صقل الكثير من المهارات التي ساهمت بشكل كبير في تطوير شخصيتي”. حيث كان أولاد ثاني مشرفا للجنة الإعلامية وقدم الكثير من الورش التي تخص العمل التطوعي وشارك في كثير من الفعاليات التي ساهمت في رفع وعي المجتمع بالعمل التطوعي وأهميته. ويضيف: أنهم قاموا بعدها بتأسيس مشروع شجعان السرطان بالسلطنة والذي حاز على لقب أفضل مبادرة تطوعية على مستوى الخليج العربي في دولة الكويت العام المنصرم، مشيرا إلى أن هذا المشروع يعتبر المشروع الحيوي الذي يخدم أطفال السرطان وذويهم. مضيفا: “كما أنني عملت كمشرف في كثير من الفرق التطوعية بالولاية، وحاليا أصبحت مقرر للجنة التنمية الاجتماعية بولاية نزوى التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية.”

متطوع إعلامي

أما عن دور أولاد ثاني في إثراء العمل التطوعي والمساهمة في نشر ثقافة التطوع في المجتمع وتشجيعهم على ذلك، فيجيب بأنه دائما يحث الكثيرين على نشر ثقافة العمل التطوعي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام. إضافة إلى محاولته إيصال رسائل إيجابية بأهمية العمل التطوعي وحث المجتمع على الإقدام عليه لما له من أهمية، وديننا الحنيف أوصانا به. ونظرا لكون أولاد ثاني إعلامي فقد ساهم ذلك في نمو وتطور عطائه التطوعي، فهو كما يخبرنا بأنه يسعى لنشر وتوثيق أي عمل تطوعي أو مبادرة مجتمعية أو حدث مجتمعي لكي يصل لأكبر شريحة بالمجتمع وهذا ينعكس إيجابا عليه وعلى المجتمع.

ثقافة التطوع.. والجوانب السلبية

وعن مدى انتشار ثقافة التطوع في المجتمع، يرى أولاد ثاني بأن هناك وعي مجتمعي كبير بأهمية العمل التطوعي وهناك الكثير من المبادرات الناجحة والمهمة، تخدم المواطنين المعسرين والأسر المتعففة. 

وبالإشارة إلى الجوانب السلبية للتطوع، يؤكد أولاد ثاني أنه بلا شك هناك جانب إيجابي وجانب سلبي لكل شيء. مبينا أن استغلال البعض حاجة المجتمع لأغراض شخصية معتبرا العمل التطوعي سلما لأهدافه كنيل مناصب أو تحقيق أغراض أخرى يعد من أبرز الجوانب السلبية لهذا العمل.

تنافس الفرق التطوعية!!

ويعلق أولاد ثاني على التنافس بين الفرق التطوعية الذي يخلق للتطوع معنى منافي لمعناه وهدفه السامي، قائلا بأن هناك ازدواجية كبيرة للعمل التطوعي بسبب كثرة الفرق وعدم وجود منهج متكامل ينظم سير العمل التطوعي بالسلطنة. مشيرا إلى أنه وللأسف أصبح البعض يستغل العمل التطوعي للشهرة والتباهي والوصول لأهداف شخصية فقط.

متى أتطوع؟

وينصح أولاد ثاني بأن يكون المتطوع على جاهزية تامة لأي عمل خيري وتطوعي يطلب منه متى ما دعت الحاجة إليه ولعطاء يديه، على أن يكون ذلك وفق ضوابط وتشريعات تحدد للمتطوع الوقت والوضع المناسب للتطوع، معللا أن هناك شخصيات ومؤسسات قد تستغل المبادرات المجتمعية لأغراض شخصية وكذلك ربحية. لذا يؤكد أولاد ثاني على ضرورة التوخي في تقديم المبادرات والعمل التطوعي بحيث يكون ذلك مدروسا وموزونا.

السلطنة وتعزيز العمل التطوعي

وصولا إلى دور السلطنة في تعزيز العمل التطوعي اليوم، يعبر أولاد ثاني عن ذلك بقوله: “أولت السلطنة اهتمام كبير بالعمل التطوعي وذلك بتخصيص جائزة السلطان قابوس للعمل التطوعي، والتي تعتبر محفلا سنويا ينتظره الكثير من أصحاب الهمم العالية والمبادرات الناجحة”، إضافة إلى وجود وزارة كاملة تشرف على العمل التطوعي، وأيضا الدعم الكبير من القطاعين العام والخاص للمبادرات والجهود التطوعية واهتمامهم بهذا العمل كما عبر عن ذلك أولاد ثاني، مشيرا إلى أنه متى ما كانت الجهة التطوعية جهة معتمدة ورسمية، وعملها منظم وله إثر إيجابي بأن الجميع سيكون يد عون لها.

آثار إيجابية

ويرى أولاد ثاني أن نتائج العمل التطوعي وآثاره الإيجابية كبيرة جدا، وخير برهان على ذلك هو العدد الكبير للأسر في السلطنة التي تندرج تحت جمعيات خيرية وفرق مجتمعية يقومون بخدمتها بكل إخلاص وتفاني، إضافة إلى أن بعض الأسر كانت متعففة لذا وبفضل من الله ثم بسبب هذه الجمعيات والفرق التطوعية التي أخذت بأيديهم، أصبحت من الأسر المنتجة مستورة الحال. ويضيف على ذلك أن هناك أسر تم تأمين المسكن والحياة الكريمة لها بفضل الجهود التطوعية والمجتمعية، مشيرا إلى أن هناك أيضا مبادرات استفاد منها المجتمع وكانت سندا كبيرا للجهود الحكومية في الوقت الراهن.

تخطيط وتنظيم

ويبين لنا أولاد ثاني آلية التخطيط والتنظيم للعمل التطوعي، مشيرا إلى أن أي عمل يجب أن يكون له خطة مدروسة للتنفيذ لضمان نجاحه. وكما يقول، بأن العمل التطوعي له خطط وبرامج للتنفيذ عند الإقدام عليه، كما يتم عمل دراسات جدوى حتى يتحقق الهدف المنشود. شارحا، أنه عندما نرغب في القيام بأي عمل تطوعي يجب تحديد الفئة المستهدفة، وما هي عوامل النجاح، والأهداف المرجو تحقيقها، ومصادر التمويل وغيرها، مؤكدا أن ذلك يكون وفق أطر قانونية لتجنب المساءلة القانونية وغيرها وكذلك اختبارا للشخصيات ذات الكفاءة لهذا العمل.

كلمة للمتطوعين

يقول سليمان أولاد ثاني في نهاية الحوار: “كلمتي لكل المتطوعين، العمل التطوعي عمل نبيل وقد أوصانا به الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة وكذلك في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي حثنا فيها على العمل التطوعي، فقط اجعلوا نصب أعينكم بأن أي عمل تطوعي تقومون به يجب أن يكون خالصا لوجه لله تعالى وأن لا يكون فيه منا ولا أذى”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock