آراء الكتاب

الكاتبة روان الكلبانية تكتب حصريا لـ المسار: للنجاح طريق آخر

المسار   |  آراء الكُتاب

الكاتبة روان الكلبانية

ظهر في إحدى المقابلات على التلفاز، كانت ليلة شتوية وكنت استلقي أمام تلك الشاشة المسطحة. قال برأس مرفوع وعينين تلمعان فخراً؛ لقد عملتُ ليل نهار ولا زلت أعمل بجهد مضاعف ويحدث كثيراً أن أستريح ساعتين في النهار موزعتين خلال اليوم من أجل أن أكل وأصلي، وأخلد للنوم في ساعة متأخرة. كان ممتلئ الجثة، أصلع وبالكاد يلتقط أنفاسه أثناء حديثة. أوحت لي هيئته أنه صادق فلا يبدو أنه يمتلك وقتا ليمارس الرياضة أو يتنفس حتى. أعجبت بجهده واحترمتُ شخصه لكن في الوقت ذاته تنامى بداخلي اعتقاد اني مخيرة بين الاستمتاع بنعيم الحياة والملذات اليومية المتاحة وبين طموحاتي الكبيرة التي شعرتُ اني لن أبلغها إذا لم أشرع في العمل كما يعمل.

في طفولتنا، الصورة النمطية للعبقري أو “الشاطر” في أفلام الكرتون غالباً كانت بهذا الشكل، شخص يرتدي نظارة، يعرف كل شيء تقريباً لكنه يبدو أبله في الحياة العامة ولا شيء يشغله غير المعرفة والمنطق. كان كثيراً ما يبدو مظهره بصورة مهملة لأن لديه أمور أهم من أن يهتم بشكل هندامه. بقيتْ هذه الصورة عالقة في ذهني لسنوات حتى أني كنت أتحاشى أن أصبح ذلك الشخص بأي شكل من الأشكال، وهذا ما جعلني أواجه مشكلة مع فكرة ارتداء النظارة رغم اني كنت بحاجة إليها.

معتقدات ليست بالضرورة صحيحة

ذات مرة إحدى المعلمات قالت لنا أن التي تضيع وقتها في تنسيق لون الحقيبة مع الحذاء وتختار ما ترتدي كل يوم وأي لون تطلي أظافرها؛ فتاة لا طموح لها. قالتها هكذا: اعلمن إنها لا تمتلك غاية سامية في حياتها وإلا ما اضاعت وقتها بهذه الطريقة. أوه حقاً؟! أجزم أن جميع بنات الصف شعرن مثلي، نحن إذاً لا نملك غاية سامية في حياتنا. استغرقني الأمر سنوات، اتسع أفقي لأدرك أن كونكِ أنيقة لا يعيق كونكِ صاحبة رسالة وطموحات في الحياة، وأن لا بأس في الوقت الذي تستغرقينه لتتأنقي، يمكنك أن تكوني ناجحة في مجالات أخرى أيضاً.

ماذا عن ذلك النوع من المقاطع التحفيزية الذي يصرخ فيها المعلق: “عليك أن تعمل يوم بيوم، ساعة بساعة، لا وقت لتستريح، الوقت يمضي بسرعة، لا تستسلم”. حقاً! ربما ستشعر ببعض الحماسة ولكن ما إن يمر بعض الوقت حتى تفقد هذا الحماس. أحياناً قد تجعلك مثل هذه المقاطع تعزف عن العمل من أجل تحقيق حلمك، أو تلجئ لوهم التأجيل لأنك في داخلك تشعر بحجم الألم الذي ينتظرك جراء هذا الجهد الكبير الذي عليك بذله.

للنجاح أكثر من طريق

نتفق في اننا نحتاج إلى العمل وبذل الجهد وإنفاق الوقت من أجل بلوغ غاياتنا. لكني لست متصالحة مع فكرة أن استهلك نفسي وأفقد صحتي وأضحي بكل الأوقات الدافئة مع أحبتي من أجل أن أصل أسرع من الأخرين وأحقق حلمي في وقت قياسي. لقد روجوا لطريق النجاح الشاق والمتعب والذي يتطلب منك وأنت تسير فيه أن تفقد حيويتك وتعمي عينيك عن جمال الرحلة لتصل أولاً. طوال تلك السنون التي ولت ونحن نقدس الناجحين لأنهم عبروا هذا الطريق الوعر، نرى أنفسنا أقل قدرات وإمكانيات منهم وبعيدين كل البعد عنهم.

غاب عنا أن هناك طريق أخر للنجاح، وصورة مختلفة تماماً للناجح. طريق لا يخلو من الآلام والحواجز لكنه كذلك لا يخلو من الدفء والجمال؛ يمكنك فيه أن تستغرق كل لحظة لتنعم بقهوتك الصباحية، لا بأس أن أردت الاستمتاع بجمال فراشة في حديقتك، طريق فيه الاستجمام وقضاء وقتك مع أحبتك واجب عليك؛ كــ العمل والسعي تماماً، وأن توازن بينهما. طريق فيه الناجح إنسان بكامل صحته وحيويته، ليس كــ آلة اُستهلكت في سبيل غاية حتى أصبحت غير نافعة في نهاية الطريق. هذا الطريق الذي يخبرك أنك أنت أهم استثمار. نحتاج للناجحين الذي سلكوا هذا الطريق، أن يظهروا للملأ ويتحدثون عن تجاربهم.

لكل غاية طُرق عدة، وخير الطرق أيسرها. كلا الطريقين متاحين للجميع؛ فاختر الطريق الذي يروق لك.

المصدر
صحيفة المسار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى