شعر وخواطر

الكاتبة نعيمة السعيدية تكتب: غياب الحضور

المسار  |  شعر وخواطر

الكاتبة نعيمة السعيدية

اللهُم إلا الوداع الأخير، إلا ساعة الفراق، إلا انخلاع القلب جثيا.

إننا لا نعيش حلو الحياة إلا بوجود من يسندونا لها، نحبهُم جدًا في الله ويحبوننا على أكمل وجه وأصدق حال، هؤُلاء الأشخاص هم الذين لا نرغب بأن يغادرونا قط، لكن الحياة منفاتة، وكثيرًا ما تأخذنا لمصائر ليست كما نريدها ومثلما نحب، لندرك أنها دار عبور وأن الموت هو النهاية. لا توجد مصيبة أعظم من الفقد، أن تفقد شخص عزيز يعني أن يُخلع جزء من روحك، أن يُبتر قلبك من بين أضلعك، أن تتقدم مترات في الدقيقة الواحدة نحو الموت دون أن يفطن عقلك ذلك، لكنه شعور الفقد يلتهمك شيئا فشيء حتى تصبح أنت باسم المُصاب الجلل.

نحن وبكل ما نملك من إيمان ورضوان نعلم أن هذه الحياة محطة عابرة وإنها دار فناء ليست باقية وإننا وجدنا فيها بهيئة مؤقتة، لكن مشاعرنا ثكلى وقلوبنا تثقل بموت من نحب، عزاءنا الواجب يأبى أن ينتهي بفقدهم.

نتجلد ألمًا عند أول سؤال من غريب عن شخص قريب قد وافته المنية “كيف حال فلان؟ عذرًا لم أكن أعلم ذلك”، أما عن طفلة تناهز عمر الأربع سنوات، كنا أَنا وهي على مقعد الانتظار، قالت لي باسم الفقد “أرغب بالنوم طويلا حتى أصعد للسماء، قلت لها أترغبي بأن تصبحين قمرا أو تغدين شمسا تضيء لنا الحياة؟ قالت بلا، أرغب أن أرى أبي مجددًا فقد تأخر عليِّ وإني مشتاقة إليه وهو هُناك – مشيرة نحو السماء – كان الموقف كفيل بمنع اندلاق الكلام من فمي، يدايّ ترجف، عينايّ تكاد تسقط أمامي مشكلة ملحمة من الدموع، قلت لها إن الله يحبه جدًا ويحبكِ كثيرًا فهو الذي إذا أحب عبدا ابتلاه، قالت والحنين يغدقها -فليأخذني معه- “.

“يَا مَنْ يَعِزّ عَلَيْنَا أنْ نُفَارِقَهُمْ

 وِجدانُنا كُلَّ شيءٍ بَعدَكمْ عَدَمُ” (المتنبي).

أليس الأباء نعيم؟ وجنة الدنيا التي نلوذ لها! ألسنا بدونهم تيه؟ عراة مشاعرنا دونهم، أرواح تنقصها أرواح، نحن السواد القاتم في ليلة كان رداؤها الفقد، نحن المقابر النازفة رغم وحشيتها إلا أنها تحمل من يعز علينا، نحن بالفقد لا نشبهنا، نكبر كثيرًا وننكمش كثيرًا لا بالعمر وإنما بالموت تكهل أرواحنا، نحن لهم وإنا لصابرون على ذلك، وإنا لله وإنا إليه راجعون، كلنا لله – كلنا لله.

الختام

لأن الفقد موجع أكثر من أن تختزل ألمه بأحرف معدودة واللغات جميعها تخرس في وصفه لا تستطع البوح، كما أن أعداد المفقودين في تزايد مهيب، غياب في غمار مفاجئ، وهناك ثمة ألم حيالهم لا يجهض، حافظوا على من تحبون كمن يحافظ على أصله الوحيد، أظلوا بالحب والرئفة أرواحهم، اِسقوهم من زمزم البر وتزودوا من بركتهم، اسرقوا اللحظات بل اصنعوها لأجلكم، وبين اللهم وآمين خبئوهم ليكون خير مستقر ومستودع لكم في الخفاء، أخيرًا ودعوهم كمن يودع شيئًا لن يراه مجددًا.

أعلم أن هذه الحياة لا تدوم وكلنا عدم، لكن أن تودع الشيء على أتم حب أفضل من أن تجعله يرحل ناقصًا دون ختام، على شاكلة غير مشفية لنا، “فروح وريحان وجنة نعيم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى