آراء الكتاب

الكاتب عادل العوفي يكتب لصحيفة المسار: في رثاء “طبيب الغلابة”

المسار  |  آراء الكُتاب

الكاتب عادل العوفي

“عاهدت الله ألا آخذ قرشًا واحدًا من فقير أو معدوم وسأبقى في عيادتي أساعد الفقراء إلى أن يتوفاني الله”..

هذه العبارات وغيرها الكثير انتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي بعد الاعلان عن الخبر الموجع برحيل الطبيب المصري “محمد مشالي ” الحالة الاستثنائية التي أبهرت الجميع وفرضت عليهم التوقف مليا وبمنتهى التأثر وحتى الحرقة على فقدان شخصية غير عادية لا يجود الزمن بمثلها الا نادرا..

من “طبيب الغلابة” الى ” ملاك الغربية” و “طبيب الانسانية” وألقاب اخرى تنافس الناس والاعلام على اطلاقها على محمد مشالي المولود سنة 1944 بإحدى قرى محافظة البحيرة {غرب دلتا مصر} لأسرة متوسطة الحال حيث كان والده استاذا بوزارة التربية والتعليم بينما كانت الام ربة منزل وانتقل رفقة والده لمدينة طنطا بمحافظة الغربية حيث درس هناك قبل الالتحاق بكلية طب قصر العيني بالعاصمة المصرية القاهرة.

منذ تلك الفترة ظلت كلمات بعض أساتذته ترن في ذهنه وتحديدا حين كانوا يقولون “من يريد امتلاك عمارة أو عزبة فعليه العمل في الاستيراد والتصدير؛ اما من يعمل في مهنة الطب فهو يعمل ليكسب دعوات الفقراء وهذه أعظم المكاسب “.

ترسخت هذه الاقوال أكثر بعد وصية والده بضرورة خدمة الفقراء وعلاجهم بدون مقابل لتشكل جزءا مفصليا في شخصية الطبيب الشاب المخلص لقيم وقناعات سيعمل جاهدا على خدمتها والتفاني في بلورتها على أرض الواقع؛ ليبدأ حياته العملية في مناطق ريفية يكابد اهلها امراضا مثل البلهارسيا والانكلستوما وذلك بسبب ارتباطهم الوثيق بالزراعة ونظرا لظروفهم المادية الصعبة للغاية يتطوع لعلاجهم دون مقابل منتصرا لكلمات والده الاخيرة قبل ان يلفظ انفاسه.


غير أن ما شكل المنعطف الحاسم في مسار “طبيب الغلابة” كانت واقعة الطفل الصغير المريض بالسكري والذي أضرم النيران في جسده النحيل بعد ان عجزت أمه عن توفير ثمن شراء حقنة الانسولين حيث كانت بين نارين اما ان تدخر ثمن لقمة اكل اشقائه الصغار او ان تقتني دواءه ليصعد الطفل لسطح المنزل ويلقى مصرعه في مشهد ظل محفورا في مخيلة الطبيب المصري ليقرر المضي قدما في درب الانسانية الرحب والسعي بشتى الطرق لمساعدة المحتاجين؛ فهل يعقل أن تجد في عصرنا الحالي عيادة طبيب ثمن الكشف فيها لا يتجاوز 10 جنيهات؟

مع العلم انه يتنازل عن هذا الرقم الرمزي في الكثير من الاحيان متأثرا بظروف زواره بل ويوزع الادوية بالمجان على الناس ويعالج حوالي 100 حالة في ثلاث عيادات يوميا؛ كل هذه المعطيات تبرر قطعا الكم الهائل من الحزن والحب والتقدير والاحترام الذين قوبل بهم خبر رحيل هذا “الطبيب الانسان ” في كل ارجاء الوطن العربي والعالم بأسره.

حقيقة مسيرة هذا الرجل المكتنزة بالدروس والعبر يجب الا تطوى ويلفها النسيان على الاطلاق؛ وهنا نتساءل: ما رأي الاطباء اليوم وهم يشاهدون كيف تم توديع “”طبيب الغلابة “؟ وهل يمكن ان يتأثروا بمشواره ويتخذوه نموذجا وقدوة لهم على سبيل المثال لاسيما أننا نعاين بأم العين كيف تتصرف قطاعات واسعة منهم {ليس الكل بالطبع} مع المرضى؟

نتمنى ذلك صدقا رغم ان البعض قد يضع حب الناس او “التجارة مع الله ” كما قال اقارب وابناء الدكتور محمد مشالي في اخر الاهتمامات بالمقارنة مع الامتيازات الاخرى التي لا يمكن التنازل عنها على الاطلاق في عصرنا الحالي  {حسب رأيهم } ؛لكن تبقى سيرة هذا الانسان الرائع والاثر الطيب والحب الجارف الذي خلفه وراءه حيث وحد الجميع بدون استثناء فتلاشت كل الانقسامات السياسية سواء في بلده مصر او في الوطن العربي وتوحد الكل لرثائه ؛ولعل بعض الرسوم التي خطتها انامل الشباب المغربي في جداريات بمدن مثل فاس والمحمدية لدليل واضح على  أننا في حضرة شخصية كسرت كل المعادلات ؛والملفت أكثر ان طريقها واضح وماثل امام الجميع ..

فهل سنرى نماذج تسير على خطى محمد مشالي وتنتصر للإنسانية والمقهورين والمنسيين في عالمنا العربي؟

ألف رحمة ونور على طبيب الغلابة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock