آراء الكتاب

الكاتب معاوية الرواحي يكتب لصحيفة المسار: الحياةُ بعيدا!

المسار  |  آراء الكُتاب

الكاتب معاوية بن سالم الرواحي يكتب حصريا لصحيفة المسار:

الحياةُ بعيدا!

((في حالة الهجرة باستخدام وسيلة اللجوء، يجد اللاجئ نفسه أمام حقيقة قانونية صارمة؛ يمكنه الذهاب إلى كل بلدان العالمِ ما عدا بلاده ومن هُناك تتوالد الأسئلة المؤرقة وتتكاثر، ماذا عساه الذي يعوضك عن وطنك؟ وأي حياة مهما كانت يمكنها أن تكون سعيدة، وجميلة، وناجحة في ظل هذا البعد))

معاوية الرواحي, الكاتب معاوية الرواحي يكتب لصحيفة المسار: الحياةُ بعيدا!

 

لا تسلمُ الأوطانُ مما يعتري الحياة من فتور في الهمم، أو غُمّة تمنع عن البصائر انكشاف المصائر، هذه طبيعة الحياة على أية حال! وفي خضم هذه المنظومة المعقدة من الأحداث والأشخاص يجدُ الكائن الفردُ نفسَه أمام خياراتٍ غاية في التعقيد، شديدة التأثير على حياتِه، وربما ذات نهاياتٍ صارمة، منها أن يموتَ حسرةً وكمدا، أو أن يخسرَ صحته وسلامته العقلية، أو أن يفقد امتيازا مهماً مثل القدرة على العيش في وطنه بجانب عائلته ومن يحبهم ويحبونه، وفي مثل هذه الحالات يختار الإنسانُ الضرر القليل آملا أن يدفع به الضرر الكبير، بغض النظر عن صحة أسبابِه وما إذا كانت نابعة من مخاوفٍ وظنون، أو من حقائق واستنتاجات.

إن قرار الهجرة حلُّ نهائي ينطبق عليه ما ينطبق على الكيّ من كونه آخر العلاجات، فهو صارمٌ وقد يكون نهائيا ولا عودةَ عَنه، وإن كان دافعه الرئيسي هو الهرب أو الفلات مما ظنّه الكائن الفرد وقتها مصيراً وكربة لا مجال للخروج عنها، فإن دوافع مثل الحرية والأمل والانتصار للحق والدفاع عن المظلومية تتبلور سريعا ما أن يراودُ قرار الهجرة كائنا لكي يخرج عن بلدِه ويبدأ ما يظنه حياة جديدةً منبتةً عن حياتِه الماضية بما شابها من أخطائه الشخصية، أو من ملابسات ظروف الأزمنة والعهود بداياتها ونهاياتها. إنها ليست أكثر من مسألة وقت حتى تتفاعل هذه المنظومة من المشاعر المتناقضة لتفرز قرار الهجرة الذي ينفذ باسم خطةٍ ونظام، ويحدث بفوضوية وعشوائية تُشبه الحياة، ولا تشبه غيرها.

يعرف الفردُ حياته قبل الهجرة عن ظهر قلب، يعرف مشاكلها ومعيقاتها الكُبرى، ويتعلّق فؤاده بالآمال المنسية والمؤجلة حاله حال غيره، بعد الهجرة تأخذ الحياة شكلا مختلفا إلا أن المضمون هو نفسه، يعتري الحياة في الغربة ما يعتري الحياة في الوطن من إحباطات ومشكلات في تحقيق الذات وتحويل أحلامها إلى واقع. والإنسان يعيش في بلادِه يكون ضمن شبكةٍ اجتماعية قد يظنّها وقتها سببا رئيسيا لما آل إليه من أحوال، ومن أوّل إيجابيات الحياة بعيدا الانعزال عن تلك الحياة لفهم واستبطان حيثيات حدوثها، فهم المشكلات التي كان للفرد النصيب الأكبر من حدوثها، وكذلك فهم المشكلات التي تنزاح تدريجيا نتيجة ابتعاده، وهذه أول فضائل الحياة بعيدا، الفهم المتعمق لحقيقة ما كان يحدث.


مع مرور أيام الحياة بعيدا، تتخلق ظاهرةٌ ذهنية في دماغ المهاجر، فبينما يحاول أن يعيش ما فاتَه يدرك أن هناك ما يفوته أيضا! القرب من العائلة، ومن يحبهم أو كما قال الشاعر “فاغترب تلق عن الأهل بدل” تصبح أسئلة وجودية مؤرقة، فها هي الحياة في البعيد قد حدثت، من طلب اللجوء، أو من هاجر للعمل، أو من قرر الزواج بعيدا عن وطنه.

في حالة الهجرة باستخدام وسيلة اللجوء، يجد اللاجئ نفسه أمام حقيقة قانونية صارمة؛ يمكنه الذهاب إلى كل بلدان العالمِ ما عدا بلاده ومن هُناك تتوالد الأسئلة المؤرقة وتتكاثر، ماذا عساه الذي يعوضك عن وطنك؟ وأي حياة مهما كانت يمكنها أن تكون سعيدة، وجميلة، وناجحة في ظل هذا البعد، أول مزايا الغربة أنها ليست وطنك، وهذه ميزة التغيير الأولى وحماسة الزخم الفيّاض مع بدء التجارب الجديدة، وهي سكرة ما تلبث أن تتبدد بعد أن تحل الفِكرة، فماذا عساها أن تقدم لك الحياة بعيدا وأنت من الأساس تعيش قريبا، متربصا بقربك آملا حدوثها ومنطلقا منه إلى غربتك؟ هذه هي التناقضات الأولى التي تزيح غشاوة البدايات الجديدة ليبدأ بعدها الإدراك الحتمي أنك لن تنفصل عن حياتك الأولى مهما حاولت إلى ذلك سبيلا.

بعد أن يستقر الحال بالمهاجر، والذي يعيش بعيدا، تبدأ إدراكاتٌ عاطفية جديدة، هل تكفي الغربة لتموّن استمراريتك بالأمل والمحبة؟ وهل هي الإجابة النهائية على ما شاب حياتك السابقة في بلادك من مشكلات ومعضلات؟ ومن هو المتسبب الرئيسي وإلى أي مدى كنت أنتَ نفسك الكائن الفرد سببا في مأساتك أو معضلات؟ هذه هي فضائل الحياة بعيدا، وهي فضائل فكرية وفلسفية في المقام الأوّل، عندما يتعلق الأمر بالعاطفة فإن القرب هو سيد الموقف وهُنا نتقلب الأحلام وتولد معكوسةً من بعد أن كانت تتجلى كأنها النهايات الموعودة للشقاء البشري. هذا لا يمنع أن بعض المهاجرين يحققون أحلاماً ما، هل هي أحلامهم؟ أم تقع تحت دائرة التعويض اللامنتهية.

تشكل قصص نجاح المهاجرين مادة دسمة من مواد الأمل، فمن الصفر إلى النجاح المادي، أو المعنوي أو الرياضي، وهذا ليس بمستغرب من مهاجر أو لاجئ لم يعد لديه ما يتموّن منه من حياته السابقة إلا أن ينجح وأن يحقق نفسه بكل طاقات العزم والجهد البشري، ومع استمرار مسيرة الأيام تأتي القرارات الكبيرة التي تضع المهاجرين أمام الموقف الصعب، هل يستمرون في حياةٍ من التعويض؟ وهل يمكن لحياتهم في الخارج أن تستبدل الأشواق والحرقة والحسرة؟ أم يعودون إلى سابق عهدهم ويتعلمون من تلك التجربة الوجيزة أن الحياة هي نفسها في كل مكان، وأن التفاوض لإيجاد حدود منصفة تربط الفرد بالجماعة هو نفسه في كل مكان تقريبا.

هُنا تحدث نهايات التجارب إما بامتداد حدوثها واستمرارها، أو بالعودة إلى الأوطان، فهؤلاء الذين هاجروا لظروف محددة يعودون عندما تتغير هذه الظروف، وهؤلاء الذين هاجروا لأحلام أو طموحات لا تتعلق بما حدث لهم في بلادهم يستمرون فلا فرق لديهم عادوا أو لم يعودوا، ومهما كانت الدولة التي هاجرت منها أو الدولة التي هاجرت إليها تبقى شؤون الإنسان العاطفية مصدرا من مصادر التأمل والعِبر، فمن كان يظن يوما ما أنه سيخرج من بلده، وهذا الذي خرج مغاضبا وحانقا وحزينا من كان يظن أنه سيعود إلى وطنه وقد تقبل أن الحياة هي ظروفها لا الحياة نفسها. إنه لسؤال كبير من أين يستمد الإنسان طاقته الداخلية؟ الذين يستمدونها من ذواتهم المجردة يختلفون عن هؤلاء الذين ارتبطوا بأوطانهم، نصيب الأولين الهناءة والنجاح في البلاد البعيدة، ونصيب الآخرين الذواء والذبول، ويحكم الوقت لمن كان محظوظا منهم بالعودة الآمنة المطمئنة، وقد يحكم لمن كان سيء الحظ بنهاية محزنة وحيدة فلا هو بوطنه، ولا بقضيته، ولا بذاتِه ولا ببقايا زهور الآمال التي ظن أن تغيير الرقعة الجغرافية التي يعيش بها قد يكون الإجابة الموعودة للغز الحياة الكبير.

رأي واحد على “الكاتب معاوية الرواحي يكتب لصحيفة المسار: الحياةُ بعيدا!”

  1. يُقال “أن ما تبحث عنهُ يبحث عنك” ، و روح هذهِ البلاد كانت تبحث عن الروح الهائمة في لندن. أنتَ لم تعد لبلادك فحسب، أنتَ الآن متصل بما قد كان يبحث عنك…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock