فنون

نُقاد: "أبو الفنون" يحمي الهوية الثقافية

تهم “التقوقع على الذات” تلاحق المسرح العماني

  • الناقدة رحيمة الجابرية: المسرح قادر على تعزيز الهوية الثقافية العمانية
  • الصالحي: المسرح العماني يقبل بالثقافات الأخرى غير المتعارضة مع التقاليد المجتمعية
  • النوفلي: المسرح يسهم بدور تنويري في نبذ التعصب ومكافحة التطرف
  • العنقودي: المهرجانات المسرحية تعرِّف بالهوية الثقافية العمانية
  • اللمكي: ملامسة العمل للواقع المجتمعي يزيد إقبال الجمهور على المسرح

المسار – أحلام الحاتمي

أكد نقاد ومسرحيون أن المسرح العماني قادر على حماية الهوية الثقافية لعمان، لكنهم حذروا مما يهدده من تحديات وفي مقدمتها التهم الموجهة للمسرح العماني بأنه “متقوقع على ذاته” وأنه لا يقبل بنقل الثقافات الأخرى.

غير أن البعض ذهب على النقيض من ذلك، مؤكدين أن استيعاب الثقافات الأخرى أمر وارد في حالة تماشيها مع التقاليد والقيم المجتمعية العمانية الأصيلة.

ويتفق العديد من النقاد والأدباء على أن المسرح أحد أبرز أدوات الحراك الثقافي في أي مجتمع، فبجانب دوره الأساسي في الترفيه فهو يسهم بدور حيوي وفعال في تعزيز وتأصيل الثقافة المجتمعية، لما يوفره من مساحة لطرح قضاياه وتمثيل هويته. ويؤكد النقاد أن المسرح مرآة ترى فيها المجتمعات هويتها وتراثها الثقافي بتنوعاته الثرية، ومن هنا لُقب بـ”أبو الفنون” لما يتسم به من تعدد الفنون المقدمة في داخل القالب المسرحي.

 مرآة المجتمع

وتقول الناقدة والكاتبة المسرحية رحيمة الجابرية إن المسرح يجب أن يعكس ثقافة وهوية المجتمع المنتمي إليه، إذ يتأثر ويؤثر فيه، نظرا لأن المسرح يمثل لسان المجتمع منه يبدأ وإليه ينتهي. وتؤكد الجابرية أنه في طليعة النهضة المسرحية بالسلطنة، يعمد المسرحيون إلى محاكاة واقع المجتمع ومناقشة قضاياه الملحة، لكن ذلك لا يمنع بالقول إن ثمة فترات تاريخية من عمر المسرح العماني شهدت انفصالا واضحا بين المسرح والمجتمع، وذلك عندما بدأ مجموعة من الشباب “بتقليد موجة التجريب بدعوى التجديد والتطوير”. غير أنه على الرغم من ذلك أثبتت الأعمال المسرحية الأخرى، والحديث للجابرية، قدرة المسرح على تعزيز الهوية الثقافية لعمان، فكان من يشاهد المسرح العماني يرى صورة المجتمع العماني جلية واضحة.

وردا على أزمة النص، وما يعانيه المسرح في ظلها، تشير الناقدة المسرحية إلى أنه لا بد للكاتب المسرحي أن يعود للإرث التاريخي والشعبي المنتمي إليه، ويستلهم منه ما يعينه على صنع مادة مسرحية، معتبرة أن المجتمع “بحاجة ماسة لترسيخ الهوية الوطنية وتعزيزها في ظل هذا الخضم الهائل من التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات”، بجانب ازدياد وطأة التحديات الأخرى التي تهدد الهوية الثقافية لمجتمعاتنا العربية بشكل عام.

انتشار المسرح

وفي ظل الإقبال الملحوظ من الجمهور على حضور المسرحيات، يعزو الممثل المسرحي عبد الحكيم الصالحي انتشار المسرح بشكل كبير في عمان خلال الفترة الأخيرة إلى أن المسرح بات يقدم شكل المجتمع العماني، ويعكس ثقافته، ويتضح ذلك جليا في طرح المسرح لقضايا اجتماعية وسلوكية منتشرة بالفعل في أوساط المجتمع وفئاته. ويؤكد الصالحي أن هذا التركيز على القضايا المجتمعية المحلية لا يعني انغلاق وتقوقع المسرح العماني على الثقافة العمانية فقط، وإنما هناك ثقافات أخرى أصبحت حاضرة، بخاصة تلك الثقافات التي لا تتعارض مع مبادئنا وقيمنا المجتمعية. ويضيف قائلا: المسرح العماني يعكس الثقافة العمانية ولكن ليس بشكل كلي؛ إذ إن ذلك يتوقف على مدى إلمام المشتغلين في المسرح بالثقافة العمانية، وطبيعة المجتمع وتقاليده ونظمه الاجتماعية.

المسرح يعني الثقافة

ولا يخفي العديد من النقاد والمسرحيين حقيقة أن المسرح يشهد تطورا ملحوظا بفضل عوامل مختلفة، فيقول المخرج المسرحي الحارث النوفلي إن الطفرة المسرحية والازدياد المضطرد للنشاط المسرحي في السلطنة يدل على مدى تطور ثقافة المجتمع ورقي فكره، مؤكدا أنه “أينما حضر المسرح حضرت الثقافة”. ويضيف قائلا إن المسرح يعكس ثقافة العماني ومعرفته بالفنون المختلفة، وإلمامه بالقضايا المجتمعية، كما إن الأعمال المسرحية تعكس عادات وتقاليد المجتمع العماني ولا تخرج عن هذا الإطار.

ولعل أكثر ما يلفت نظر النوفلي في المسرح العماني أن الأعمال المقدمة عليه تساهم في نبذ التعصب ومكافحة التطرف، وتدفع بأبناء المجتمع إلى التكاتف والتآخي وتقبل الاختلاف في وجهات النظر وألا يتحول إلى خلافات قد تفضي إلى نتائج غير حميدة. ويبين النوفلي أن وزارة التراث والثقافة تضع ضوابط لكل عمل مسرحي يشارك في محافل خارجية باسم السلطنة، وتعمل على إبقاء النص المسرحي في إطار مجتمعنا وثقافتنا.

المهرجانات المسرحية

وحتى يحقق المسرح النجاح المأمول والتطور المنشود، فثمة حزمة العناصر الداعمة لذلك ينبغي أن تتوافر، ومنها مشاركة الأعمال المسرحية في المهرجانات، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو العالمي. ويؤكد الممثل المسرحي سالم العنقودي أن للمسرح دور كبير في تعزيز الهوية الثقافية من حيث الرسائل التي يقدمها كل العاملين في المسرح بدءًا من كاتب السيناريو (السيناريست) وحتى مهندس الديكور المسرحي، ويتجلى ذلك في العروض المسرحية الداخلية والخارجية، مشيرا إلى العروض المسرحية التي تُقدم على المستوى الدولي من خلال مشاركة الفرق المسرحية في المهرجانات المسرحية والمحافل الخارجية، والتي تعد فرصة مواتية لإبراز والتعريف بالهوية العمانية للجمهور في الخارج. ويقول العنقودي إن إحدى فوائد المشاركة في المهرجانات المسرحية الخارجية، التعريف بالثقافة والهوية العمانية من خلال العمل المسرحي نفسه.

ولا يتفق العنقودي مع القول إن المسرح العماني يعكس العادات والتقاليد المجتمعية، فيقول: “بعض الأعمال المسرحية أحيانا تحيد عن هذا المسار، لكن أغلب الأعمال المسرحية بالفعل تمثل مرآة صادقة لعاداتنا وتقاليدنا المجتمعية وأسلوب حياتنا”.

ويستطرد قائلا إن الكثير من الأعمال المسرحية في السلطنة تحاكي تاريخنا وإرثنا الثقافي العماني، وهذا خير دليل على الدور الذي يؤديه المسرح في تعزيز هوية عمان الثقافية.

محاكاة الثقافة

وفي المقابل، يتفق الفنان المسرحي حيان اللمكي على أن الكُتاب والمخرجين المسرحيين في السلطنة يسيرون على نفس النهج الاجتماعي والتربوي، وينتجون أعمالا مسرحية تتخللها الفنون الشعبية العمانية التي تحاكي مجتمعنا العماني بحذافيره، وتنقل واقع ثقافتنا التي نفخر ونفاخر بها.

ويتابع اللمكي قائلا إن الأعمال المسرحية العمانية تزخر بملامح من التراث والفنون وغيرها، وذلك من خلال الأسلوب الحديث في الكتابة المسرحية وتوظيف التراث الشعبي لتمييز خط سير العمل المسرحي، من حيث الأغاني والأهازيج الشعبية والتي يتم توظيفها دراميا وتكون ملازمة للحدث والقصة التمثيلية حتى النهاية. لذا يؤكد اللمكي أن العمل المسرحي والتجارب العديدة من مختلف الفرق المسرحية في كثير من المهرجانات والمسابقات المسرحية، كفيلة بإبراز هذه الهوية الثقافية. ويضرب اللمكي مثالا بمسرحية “المنجور والرزحة” للكاتب عبدالله البطاشي، ومسرحية “بازار” للمخرج إدريس النبهاني، ومسرحية “قرن الجارية” للمؤلف والمخرج محمد خلفان الهنائي، وغيرها من الأعمال المسرحية. ويشير اللمكي إلى أن هذا بدوره انعكس على تفاعل الجمهور الذي زاد إقباله على المسرح زيادة ملفتة، من منطلق أن هذه العروض المسرحية تلامس المشاهد، وتعكس حياته اليومية، وتتناول أدق تفاصيلها، وتبوح بالأسرار التي قد لا يقوى على ذكرها على الملأ، فضلا عن تقديمها بطابع مميز يبرز أيضا نمو المواهب المسرحية في السلطنة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: