آراء الكتاب

حصريا لصحيفة المسار؛ الكاتب معاوية الرواحي يكتب: المهنة: يوتيوبر!

المسار   |   آراء الكُتاب

الكاتب معاوية الرواحي يكتب حصريا للمسار:

المهنة: يوتيوبر!

يميل التصور النمطي العُماني الذي يمكن رصده بالحياة مع المجتمع العُماني إلى اعتبار الوظيفة الرسمية خيارا أوّل، وهذا ما صنع حالةً من الإقبال الشديد على الوظائف الحكومية، في بدايات عصر السلطان قابوس -رحمة الله عليه- كانت لمثل هذه الأفكار قيمتان، الرواج أولا، والاحتياج ثانيا.

 

تتنوع الوظائف في المجتمعات حسب حاجات الأفراد والجماعات. بعضها أزليَّة لا يتوقفُ الاعتماد عليها كوظائف الأطباء، والجنود، والقابلات، والعطارين، وتجار الخشب، وباعة اللحم، ومع تطور الزمان أصبحت الوظائف تؤدي واجبات حتمية بحكم ضرورة الزمن مثل وظائف المبرمجين أو أخصائيي التقنية، ومع الوقت تطور الأمر إلى وظائف المختصين بالهواتف والشبكات وغيرها.

هذه الحاجة الوجودية للوظائف لن تتوقف عن التجمع البشري في كوكب الأرض، وفي دولةٍ مثل عُمان عاشت عصر النشأة التأسيس وانتقلت منه إلى عهد الحِفاظ والانطلاق نحو الغد، بإذن الله، شهد منهج التوظيف والوظائف فيها تغيرا عن الاعتيادي والمعياري لسنوات ليست بالقصيرة، وحتى هذه اللحظة يمكننا القول بكل ثقةٍ أن تصورات الوظيفة في عُمان الحديثة ما زالت قيد التبلور سواء نتيجة لتغير ظروف عدد السكان والتنمية، أو نتيجة لمعطيات التفكير الاجتماعي والتصورات النمطية التي أدت إلى عزل وسجن بعض الوظائف في محيط ضيّق من سوء الظن بها، أو الجهل بإمكانياتها فقط لأنّ مجموعا عامّا كبيرا اتبعَ منهج الشك في غير محلّه وآثر اختيار الوظيفة النمطية باعتبارها الخيار الآمن والمضمون، ومن هذا الذي يزعم أن بالحياة شيء مضمون؟ دوام الحال من المحال وهذه أيضا حقيقة حتمية أخرى.

يميل التصور النمطي العُماني الذي يمكن رصده بالحياة مع المجتمع العُماني إلى اعتبار الوظيفة الرسمية خيارا أوّل، وهذا ما صنع حالةً من الإقبال الشديد على الوظائف الحكومية، في بدايات عصر السلطان قابوس -رحمة الله عليه- كانت لمثل هذه الأفكار قيمتان، الرواج أولا، والاحتياج ثانيا. راجت فكرة وظيفة الحكومة لأنها ببساطة كانت في مرحلة تأسيس الدولة الحديثة بمختلف أركانها، أما من حيث الاحتياج فقد كانت الحاجة الشديدة لتولي أبناء الوطن العُماني وظائف رسمية شديدة وملحة وهذا ما انسحب على مراحل لاحقة من عصر النهضة العُمانية، فبينما في كثير من الدول تكون الوظيفة الحكومية الخيار الأخير وللوظائف الموجودة في السوق الاقتصادي الساحق الأولوية، بقي التفكير العام في عمان مرتهنا بظروف الحكومة العُمانية وهي في عصر النشأة حتى جاء ذلك الزمان الذي اكتملت فيه أركان الدولة الحديثة وبدأت مسيرة الحِفاظ والتطوير وتجويد الخدمات، أسقط في يد الأفكار وقتها وضاع عن البعض معيار الخيار الفردي والتزم بالخيارات العامّة ربما من باب الاتباع، أو من باب الخشية من الأفكار الجديدة.

انتقل الهوس العُماني من الوظيفة الحُكومية إلى هوسِ شبيهٍ بالوظائف شبه الرسمية في القطاع الخاص، وبدأت موّال جديد من التمجيد الزائد للوظائف ذات الطبيعة الاعتيادية التي تُناسب الجيل الشاب وفق المفهوم السابق والذي تعدل قليلا بحكم ظروف القطاع الخاص، ومجددا أصبحت الوظيفة المقدسة في عُمان هي تلك التي تعطيك ما يشبه الضمانة الزمنية لتستمر في العَمل سنوات أطول تضمن فيها راتبا شبه ثابت يتزايد مع الوقت وينتهي بك المطاف للتقاعد الموصوف بالمُريح والذي لا يكون كذلك بالضرورة، ومرّة أخرى انسحب التصور النمطي عن الوظيفة في عُمان إلى هذا الشكل الكلاسيكي، وظيفة ودوامٌ من ساعةٍ في بداية النهار إلى أخرى قُرابة المغرب وهذه هي الوظيفة المثالية، أما عن ظروف الزمن الجديد وثورة الصناعة الجبّارة التي يشهدها العالم فقد أصبحت موصوفة بالابتكار، والريادة، وغيرها من الصفات التي تُسبغ بلا توقف على ما هو طبيعي في هذا العصر التقني والصناعي المرتبط بخوارزميات قواعد البيانات الكُبرى وتغير شكل المؤسسات الكلاسيكي إلى شكل جديد مختلف، لم تعد بحاجة إلى مبنى وموظفين لتكون لديك شركة تكسب المليارات، بل لم تعد من الأساس بحاجة إلى طباعة ورقة واحدة أو قطع شجرة من أجل مكتب خشبي والعالم يتجه بجنون إلى هذا العصر الرقمي. العصر الذي تُعالجه الدراما الأمريكية أحيانا بذعر شديد نتيجة غياب عنصر الإنسان وتغلب الحسابات، والمعادلات، والتطبيقات على الحاجة له، ولكن هل تغير شيء عن تفكير الأجيال العُمانية عن هذه الوظائف؟ كلُ الذي تغير هو أن الوظيفة الكلاسيكية أصبحت الخيار الأول، أما ظروف الزمن الطبيعي فقد أصبحت من أشياء الابتكار والريادة والعصر التقني الجديد.

لم يقبل الجَميع بالاشتراطات المعيارية التي يسوقها المجموع العام العُماني بحماسة بالغة، شق البعض طريقهم الخاص في مجالات الابتكار والتقنية، وثمة نسبة مئوية دائمة من الناس والسكان في عُمان تقبلوا الوظائف غير النمطية ووجدوا فيها راحتهم ونجاحهم، فمن الوظائف المُرهقة والشاقة مثل وظيفة [لحّام معادن تحت الماء] إلى الوظائف في الصحراء، وفي التجمعات المدنية غير المرتبطة بالصناعة الثقيلة كصناعة النفط والغاز بزغت من طيّات الشيفرات البرمجية فئة جديدة وجدت في عصر الإنترنت مصدر رزقٍ ساحق وجديد، وهو مجال ما يزال في حالة النشأة والتأسيس في عُمان نتيجة قلة عدد السكان وكذلك نتيجة عدم الثقة بظروف الإنترنت وتقلباتها، بدأت الظاهرة الموسومة باسم [الفاشينستا] بالظهور، وهي مجموعة من الوظائف الفردية المرتبطة بالجمهور الكبير والتي حقق بعض ممارسيها نجاحا كبيرا على المستوى الماديّ وعلى مستوى الوصول والتأثير، وبينما انشغلَ البعض في حساباته في تويتر، وفي باقي مواقع التواصل الاجتماعي بعلك سجالات وجدالات التفكير، فضلا عن الانهماك في أدوار التنوير، والنقد العام، انشغلت فئة أخرى بمجالات تخصصية مثل الألعاب، أو الأزياء، ومع ازدياد الضغط والحاجة للإنترنت بدأت المؤسسات باللحاق بالأفراد، ومع أن هذا جاء متأخرا، ولكن شيء خير من لا شيء، أصبح لمغردٍ أو لصانع محتوى في الانستغرام دخل ستة موظفين من إعلانات أسبوع واحد، وما يزال هُناك من يأتي ليجادل أن وظيفة نمطية كلاسيكية هي الخيار الأفضل. لماذا؟ لأن ظروف الحياة غير مضمونة! ومنذ متى ضمن إنسان في الحياة ألا يسقط نيزك على رأسه وهو يمشي على شاطئ العذيبة؟ لا توجد ضمانات كبيرة في الحياة لكي نطالب بها!

منذ سنين طويلة كنتُ أحلم أن تكون مهنتي إحدى هذه المهن الحرة والمرنة، ساعات العَمل أحددها كما أشاء وأعمل في مجال مهارتي وهواياتي. بدأت عملي في اليوتيوب وأنا منشغلٌ بمجموعة لا حصر لها من الاهتمامات المُزعجة لي وغير النافعة حياتيا، وقد استجبت وقتها لإملاءات التصورات الثقافية في عُمان عمّا يجب أن يكون الحال عليه في “منابر” الإنترنت، وهذا هو الفخ الكبير الذي يحتاج إلى زمنٍ كبير أيضا للخروج منه. بعد أن أكملت اشتراطات الإعلانات في اليوتيوب وتعلمت القليل منه فوجئت بالحقيقة المغايرة التي أعيشها بالتجربة والتي تختلف جذريا عن تلك التي يقولها من لم يجرّب، الأرقام تتحدث بوضوح ولا تعبأ للتنظيرات الجاهزة التي يغدقها من لم يجرّب على من يحاول. إن كنت أعلم أن دخل وظيفة مثل اليوتيوب يمكنه أن يقيم أسرة وعائلة بل ويمكنه أن يحقق الثراء للإنسان لربما قضيت السنوات الأخيرة في تعلم ألعاب الفيديو، وفي نقد الأفلام والمسلسلات الشائعة ولتعلمت مهارات المونتاج وإبراز المحتوى بشكل سلس وجاذب للمتلقي، للأسف الشديد عرفت هذا متأخرا للغاية ولكن مجددا، متأخر خير من لا شيء!

يمكن أن يحقق اليوتيوب نجاحا ساحقا على الصعيد المادي، ويمكن لحركة اليوتيوب العُماني أن تكون رافدا للإبداع، وللصناعة، وللتجارة، وللسياحة في عُمان مثل هذه الجهود الفردية يتابعها جمهور كبير للغاية، وهذا الجمهور الكبير يمكنه أن يتفاعل مع المؤسسات الكلاسيكية ليحقق فائدة مشتركة للطرفين. بالكثير من الحماسة والقليل من التخطيط يمكن لتجمع صانعي المحتوى العُمانيين أن يشكل نقلة نوعية وأن يصنع بابا للوظائف غير النمطية، والعوائق التي سيعانون منها لن تكون عوائق عملية أو تقنية، العائق الوحيد هو التصورات الثقافية أولا، والتصورات الاجتماعية، وربما الحس المحافظ الذي يتبعه البعض والذي يدفع للتعامل بذعر شديد من ما يمكن للنشاط الإلكتروني أن يتحول إليه، يمكن المجادلة في هذه الحالة أن الأفراد يعتريهم ما يعتري الحياة، التغير، والتقلب، والنكسات، هذا لا يمنع أن مهنة مثل اليوتيوب قد تتحول إلى مهنة مفيدة وناجحة في حال التزامها بالاشتراطات المتجددة والمتوالية التي يسببها التنافس في صناعة المحتوى. أكمل عدة سنوات في اليوتيوب، ولكنني أعيش عامي الأوّل في هذه المهنة التي أتمنى أن أكمل مساري فيها إلى غدٍ أفضل، ما زلت أتساءل إن كنت سأعمل في وظيفة نمطية يوما ما! هل سألجأ لهذا الخيار ذات يوم؟ أم سأتبع ما تقوله الأرقام ومعطيات الزمن الحديث؟ ما أعلمه علم اليقين الآن أن العَمل في اليوتيوب متى ما كان تعاونيا، وتكامليا، وجَماعيا، وركز على وفرة الإنتاج فإن هذا سيعوض عامل قلة عدد السكان في عمان وبالتالي قلة الجمهور المُستهدف، وكذلك أقول في نفسي ليتني تعلمت لعبة إلكترونية وأتقنتها وأضفت إلى ذلك نشاطا مثل أغنيات الراب منذ زمن طويل، لربما بعد ست سنوات من العَمل في هذا المَجال كنتُ سأقول كلاما مختلفا عن تجربة [ما بعد النجاح]. بعد مائة ألف متابع، وإعلانات تجارية، وفريق عمل ومونتاج، وربما عقود منصفة مع مؤسسات تحتاج إلى منصة إلكترونية كان الكلام سيختلف، أما الآن، فكل ما أقوله معتمد على استنطاق الغد، والأمل أن يشكل هذا الانتباه المتأخر مصدر حياةٍ حرة، ونزيهة، ونافعة، وصالحة، ومربحة قد يحققها العَمل في هذا المحيط، ومهنة لم يعرّب اسمها حتى هذه اللحظة إلا بالوصف المباشر، [صانع ُمحتوى]، وما هي مهنتك؟ المهنة: يوتيوبر!

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى