آراء الكتاب

حمد الصالحي يكتب لـ المسار: أقسموا بالله ثم خانوا

المسار   |  آراء الكُتاب

الكاتب حمد الصالحي

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (4) – الروم

لا يمكن أن تحل مشكلة الفساد المالي والإداري في البلد إلا إذا كانت هناك إرادة سياسية جادة وحقيقية لمحاربة الفساد والقضاء عليه. عند التفكر في قول النبي الكريم: (أيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَد، وَأيْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)، نجد مثالا لا نظير له في الرغبة السياسية المخلصة للقضاء على الفساد وتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء، حتى وإن كانوا أقرب المقربين.

إن التسامح وغض الطرف عن المفسدين الذين يمارسون أي صورة من صور الفساد كالرشوة، واختلاس الأموال العامة، والمتاجرة بالنفوذ، وإساءة استغلال الوظيفة، والثراء غير المشروع، وغسيل الأموال المتحصلة من جرائم الفساد، وعرقلة سير العدالة، والاحتيال والنصب، والمحاباة والمحسوبية، جريمة في حق الوطن والأمة، وليس بعد هذا التهاون إلا ضياع البلاد والعباد.

 

“وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر” – سورة النور

هل هناك حقا فساد في البلد، وكيف عرفت ذلك؟ وهنا أرد كما رد الأعرابي حينما سأل كيف عرفت الله؟ فأقول: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، وقضايا الفساد التي تراوح أسماعنا بين الفينة والأخرى، وقضايا الاختلاسات بملايين الريالات التي وصلت إلى القضاء، والمشاريع الكثيرة المتعثرة ألا تدل على الفساد؟ وما خفي كان أعظم!

أضف إلى ذلك أن مؤشر الفساد العالمي لعام 2019 كشف أن غالبية الدول لا تزال تفشل في معالجة آفة الفساد بفعالية، على الرغم من التقدم الطفيف التي تحققه بعض الدول. ويشمل التقرير الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، 180 دولة، ويقاس مستوى الفساد فيها على أساس مؤشر من 100 درجة أعلاها الأفضل، وأصغرها الأسوأ. وجاءت سلطنة عمان في المركز الرابع عربياً بـ 52 درجة (56 عالمياً)، فتمعن في الدرجة جيدا وهل ينبئك مثل خبير!

“الفساد هو استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة”. – منظمة الشفافية العالمية

آثار الفساد المالي والإداري

وهنا دعوني استعرض بعض آثار الفساد المالي والإداري الذي حل بالبلد:

  • شوه الفساد المالي والإداري النسيج الاجتماعي والبنى الطبقية حيث دفع وما زال يدفع الأكثرية إلى القاع الاجتماعي. للآسف نستمع لصرخات هذه الفئة واستغاثتها بين الحين والآخر في الإذاعات، وفي وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.
  • ساهم الفساد المالي والإداري في توزيع الدخل بشكل غير متكافئ وغير عادل مما أحدث تحولات سريعة ومفاجأة في التركيبة الاجتماعية.
  • أثر الفساد المالي والإداري على الاقتصاد الوطني وأضعف النمو الاقتصادي حيث أثر على استقرار البيئة الاستثمارية، وبالتالي زيادة كلفة المشاريع، كما ساهم في خلق زيادة في نسبة الباحثين عن عمل لصعوبة خلق وظائف جديدة في ظل اقتصاد يعاني، وديون، وعجوزات مالية بالمليارات.
  • عمل الفساد المالي والإداري على تغيير المعايير التي تحكم ابرام العقود حيث أصبح المكسب الشخصي الاساس في إبرام العقود وليس التكلفة والجودة ومواعيد التسليم. وكم شهدنا من مشاريع كانت عملاقة على الورق وحين تم الانتهاء منها لم تكن على مستوى الطموح والتوقعات، بل وإن بعض المشاريع لاتزال عالقة تنتظر رحمة ربها.
  • أدى الفساد المالي والإداري إلى إضعاف جودة الخدمات العامة.
  • أدى الفساد المالي والإداري إلى فقدان هيبة القانون لان المفسدين يملكون خاصية تعطيل وقتل القرارات التنظيمية في المهد وبذلك يفقد المواطن العادي ثقته بالقانون حيث يصبح الخروج عليه قاعدة واحترامه استثناء.
  • أسهم الفساد المالي والإداري في خلق شعور عدم المبالاة والإهمال وعدم الحرص على المصلحة العامة.
  • أسهم الفساد المالي والإداري في اشاعة ثقافات فاسدة تصبح بمرور الزمن جزءا من قيم العمل الخاطئة مثل عدم احترام وقت العمل، وافشاء أسرار العمل، وعدم تحمل المسؤولية، فارجع البصر على الواقع ينقلب إليك بالحقيقة المرة.
  • كما خلق الفساد المالي والإداري مجموعة من الانحرافات السلوكية من قبيل عدم المحافظة على كرامة الوظيفة وهيبتها والجمع بين وظيفتين في آن واحد، وهنا سأسكت قليلا.
  • أسهم الفساد المالي والإداري في تغيير النظرة للوظيفة العامة حيث أصبح المنصب الوظيفي فرصة تاريخية لتحقيق مكاسب شخصية مما سهل انتشار الفساد في مفاصل الدولة. وأسأل إن شئت عن الامتيازات والأراضي والمناقصات التي تنجذب لبشر دون بشر آخرين لا لشيء إلا لأنهم يجلسون على كراسي دافئة.

التجربة السنغافورية

تعدُّ التجربة السنغافورية من التجارب الجديرة بالمتابعة في مكافحة الفساد؛ لأن دولة سنغافورة تحولت بعد تطبيق استراتيجية مكافحة الفساد إلى دولة من أفضل عشر دول في مجال مكافحة الفساد بعد أن كانت تعد واحدة من الدول الأكثر فسادًا في ستينيات القرن الماضي، حيث تحتل المرتبة السادسة بين دول العالم طبقا لتقرير منظمة الشفافية العالمية عام 7201 بدرجة بلغت 84 مما يعكس نجاحها في مكافحة الفساد.

ويرجع هذا النجاح لعدة عوامل منها:

  • وجود إرادة سياسية على أعلى مستوى، تؤمن بمواجهة الفساد وتمثل قدوة في إتباع السلوك النزيه.
  • شمولية قوانين مكافحة الفساد، وتطبيق سياسات وإجراءات مكافحة الفساد على أي أحد يثبت تورطه في سلوك فاسد، بغض النظر عن مكانته أو نفوذه. كما يتم تطبيق قوانين مكافحة الفساد على المنظمات كافة في الدولة سواء كانت عامة أو خاصة.
  • وجود سياسات واستراتيجيات مكافحة فساد شاملة وجذرية، حيث أن الفساد لا يصلح معه إتباع سياسات تدريجية تراكمية جزئية.
  • الجهات المعنية بمكافحة الفساد منزهة عن أي شبهة فساد.
  • إجراء مراجعات مستمرة لسياسات وقوانين وإجراءات مواجهة الفساد، وإجراء التعديلات المطلوبة من أجل مواجهة المستجدات في السلوك الفاسد، والذي عادة ما يتجدد باستمرار بتجدد الظروف.
  • رفع مرتبات الموظفين في الدولة بشكل يجعل منها كافية لتوفير مستوى حياة كريمة، إذ يعد دفع أجور مرتفعة أهم رادع للفساد، ويجنب الموظفين طلب الرشوة أو قبولها.
  • إلزام من تثبت عليهم تهم فساد برد المبالغ التي أخذوها، مع وضع عقوبات تمنع تمتع الفاسد بالمال العام.
  • التحقيق في ممارسات الفساد التي قام بها مسؤولين في الحكومة.
  • الحد الى أكبر قدر ممكن من تعامل الموظفين مع المال من خلال تشجيع التوسع في التعاملات الإلكترونية.
  • تبسيط الاجراءات الادارية والحد من كثرة المستندات المطلوبة للحصول على الخدمة، مع وضع مدونة إجراءات إدارية واضحة.

الحرب على الفساد

قامت السلطنة بخطوات إيجابية في مكافحة الفساد فصدر المرسوم السلطاني رقم (64/2013) بالموافقة على انضمام السلطنة في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ومنع الفساد، وتم تكليف جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة بمهمة هيئة مكافحة ومنع الفساد ومتابعة تنفيذ الاتفاقية. واستطاع الجهاز في الآونة الأخيرة كشف الكثير من قضايا الفساد. وتحاول الدولة تجفيف كثير من منابع هدر المال العام، كما خطت خطوات واثقة في ترشيد استخدام المال العام، وفي محاولة للتخلص من الترهل الحكومي والوظائف المقنعة، قامت الدولة بإعادة هيكلة للجهاز الإداري.

ولكن وحتى تتمكن السلطنة من مجاراة سنغافورة في مجال مكافحة الفساد فعليها أن تبدأ في إلغاء حصانة المسؤولين أمام المساءلة، والتحقيق في حساباتهم المصرفية، وجرد جميع الممتلكات ليس فقط للمسؤولين، وإنما لأعضاء عوائل المسؤولين، وأقاربهم، وحتى أصدقائهم. كذلك يجب تفعيل قانون (من أين لك هذا؟) بكل حزم ومصداقية. أيضا يجب أن تستعين الحكومة بمنظمات المجتمع المدني، وبالإعلام في كشف الحالات المشبوهة عبر تشكيل وسائل إعلام مستقلة وموضوعية تغطي جميع حالات الفساد التي كشفت، وهنا أطلب من الدولة مراجعة قرارها حول عدم السماح لوسائل الإعلام بالتواجد في جلسات استجواب الوزراء في مجلس الشورى وقرار جعلها سرية وهذا يؤثر على شفافية الحكومة ومصداقيتها في التصدي للفساد أمام الرأي العام.

وختاما، الله نسأل أن يوفق سلطاننا لما يحب ويرضى، وكلنا أمل في قيادتنا الحكيمة بأن تنتشل بلدنا من براثن الفساد والمفسدين، وتجدد نهضتها، وتستعيد مجدها. يقول الفيلسوف كونفوشيوس:إذا صلح القائد فمن يجرؤ على الفساد؟

المراجع

د. لعفيفي الدراجي، د. بن الشيخ توفيق. (2018). التجربة السنغافورية في مكافحة الفسادتجربة تستحق التقدير. الملتقى الوطني الأول حول: الفساد وتأثيره على التنمية الاقتصادية. الجزائر.

حاحة عبد العالي. (2013). الآليات القانونية لمكافحة الفساد الإداري في الجزائر. (رسالة دكتوراه). جامعة محمد خيضر بسكرة.

المصدر
المسار

تعليق واحد

  1. أتمنى من بنك مسقط التطوير أكثر واكثر . يجب على إدارة بنك مسقط تطوير أجهزة الصرف والإيداع والتحويلات أكثر سرعة . مما يسهل على عملأ البنك في ما ذكرته أعلاه . أتمنى لكم التوفيق والنجاح . تحياتي لكم .

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: