آراء الكتاب

حمد الصالحي يكتب لـ المسار: لا ضرائب بدون تمثيل

المسار   |  آراء الكُتاب

الأستاذ حمد الصالحي

ناقوس الخطر يدق أجراسه! إلى متى سيظل اقتصاد بلادنا ريعيا معتمدا على النفط إن ارتفع سعره استبشرنا، وإن هبط سعره جزعنا! إلى متى ستظل رقابنا تحت رحمة النفط؟ النفط الذي كان يوما ما رحمة علينا، هل سيصبح لعنة علينا وعلى الأجيال القادمة؟ منذ عقود ونحن نسمع عن خطط لتنويع مصادر الدخل القومي، ولم يدر بخلدنا يوما أننا كمواطنين سنصبح ذلك المصدر!

اقتصادنا ليس بيدنا!

يعتمد اقتصادنا على النفط كمصدر أساسي للدخل القومي، فإذا علمنا بأن سعر النفط متقلب لأسباب كثيرة سياسية واقتصادية ومناخية، فلا عجب أن يكون اقتصادنا متقلبا أيضا، لا سيما من حيث الدخل والإنفاق، والصادرات والواردات، والاحتياط النقدي، وما إلى ذلك. ومما يزيد الأمر سوءا هو أن الحكومة لا تملك تحديد سعر نفطها، لأن السعر تحدده الأسواق الدولية.

النفط مصدر طاقة طبيعي يوشك أن ينضب. وحتى قبل أن ينضب، ماذا لو اتجه العالم إلى مصادر طاقة بديلة وأضحى النفط بلا قيمة؟ ألسنا نسمع عن السيارات الكهربائية والهيدروجينية؟ أليست هذه مؤشرات واضحة لذوي الألباب بأن عصر النفط آيل للسقوط؟ فإن كان العالم وجد مصادر بديلة للطاقة، فهل وجدت الحكومة مصادر بديلة للدخل؟

كيف بدأت الحكاية؟

وضعت الحكومة يدها على النفط فكان لها مطلق التصرف وتدبير أمور البلاد والعباد، ولم يكن لعموم الشعب تمثيل حقيقي في قرارات الحكومة وتشريعاتها. بهذا العقد أمست الحكومة أبا لكل مواطن توفر له لقمة العيش، وتبني له المدارس والمستشفيات، وتشق له الطرق والمسارات. وهكذا استمر الأمر ردحا من الزمن.

هذا الأمر خلق مشكلتين أساسيتين؛ الأولى هي أن ثروة البلاد أصبحت حكرا تديرها الحكومة فقط، ومع إيماننا بأن المخلصين الأمناء موجودون على هذه الأرض الطيبة، ولكن حيث الخير ثّم الشر، ومع غياب الشفافية الحقيقية، انتفع الفاسدون والحلقات المقربة منهم من ثروات البلد وأضحى التوزيع العادل للثروات حبرا على ورق، ووسائل الإعلام تطالعنا بفضائح الفساد والاختلاسات كل حين، وما خفي كان أعظم!

المشكلة الثانية هي أن الشعب أصبح يعتمد على الحكومة بصورة مطلقة فهي الحضن، وهي من ترعاه  وتدير له أمواله وثروات بلاده وتنفق عليه. هذا الأمر خلق نوعا من الكسل والاتكالية شهدنا أثرها يوم أن امتلأت مقاعد الوظائف الحكومية وتم النظر إلى القطاع الخاص على استحياء. لا شك أن الاقتصاد النفطي وتعاطي الحكومة مع مقدراته لعب دورا مهما في صياغة هذه العقيدة المجتمعية التي نظرت للقطاع الخاص نظرة ريبة وشك.

القطاع المخيف

الأموال الطائلة التي كانت ترفد خزانة الدولة من مبيعات النفط كانت كافية لأن تغطي استهلاك الدولة ومواطنيها لدرجة أن القطاع الخاص كان على هامش اهتمام الدولة آنذاك، وكان ضعيفا للحد الذي عزف عنه الناس وربما لا أبالغ إن قلت بأن الحكومة هي من كان ينفق على القطاع الخاص لا سيما في طرح المناقصات وغيرها. وعلى كل حال فالقطاع الخاص لم يكن يوما قطاعا انتاجيا، ولذلك أصبح العمل الحكومي هو قبلة كل مواطن. للآسف حين أتت الحاجة للقطاع الخاص لم يكن هذا القطاع قادرا على تلبية طموحات الباحثين عن عمل من حيث قيمة الأجر ولا الضمانات التي يقدمها مقارنة بما تقدمه الوظائف الحكومية لمنتسبيها.

العقيدة الاستهلاكية

خلق اقتصاد الريع حكومة ومجتمعا استهلاكيين بامتياز. الحكومة تبيع النفط وبأمواله تنفق على القطاعات الخدمية، وتستورد تقريبا كل شيء؛ فملابسنا، وغذاؤنا، ودوائنا، ومركبنا من الخارج. حتى النخلة الشامخة التي كانت يوما رمزا لقوت أجدادنا انحنى رأسها حين علمت بأننا حتى التمر نستورده من الخارج. في الواقع إذا كان ثمة شيء نفتخر به أمام شعوب العالم فهو أننا زبائن محترمون ندفع بسخاء.

كيف انتهت الحكاية؟

“في العالم الثالث تمتلك الحكومات حكمة قارون، ويمتلك رجال الأعمال مال قارون، ويمتلك الشعب صبر أيوب” – جلال عامر

اليوم وبعد عقود من اقتصاد معتمد على النفط وخطط حكومية كثيرة وصلنا إلى التالي:

  • قطاع حكومي بيروقراطي مكتظ وغير قادر على استيعاب المزيد من الباحثين عن عمل، بل ويزخر بالبطالة المقنعة أو كما يحلو للبعض أن يسميها البطالة المخفية.
  • قطاع خاص هزيل غير منتج، وغير قادر على جذب الباحثين عن عمل، بل ويسرح كثير ممن رضي بالعمل فيه.
  • ثقافة مجتمعية استهلاكية وغير منتجة.
  • ارتفاع في أسعار السلع المختلفة.
  • فساد واختلاسات بالملايين.
  • اقتصاد لازالت عائدات النفط هي المصدر الأساسي لدخله.
  • مئات من الباحثين عن العمل أو ربما عن الأمل.
  • دين عام يتوقع أن يصل إلى 21.7 مليار ريال عماني بنهاية عام 2021، ويشكل الاقتراض الخارجي 76 بالمائة من الإجمالي.
  • عجز في الميزانية 2021 يقدر بنحو 2.24 مليار ريال عماني.
  • اللجوء إلى مزيد من الاقتراض الخارجي، وسحب ملايين من الاحتياطيات.
  • تبعات وآثار اقتصادية سيئة لجائحة كورونا.

مرحلة جديدة

في ظل هذه الظروف الاقتصادية العصيبة التي تمر بها البلاد، وآثارها السيئة المنعكسة على الجميع يجب أن نقف جميعا متدبرين لأخطاء الماضي ومستعدين لإعادة الأمور إلى نصابها ووضع النقاط على حروفها. في عهدها المتجدد، تقوم الحكومة بإصلاح ما يمكن إصلاحه ضمن ما أعلنته في خطة الإصلاح المالي، من تطبيق تدريجي لتدابير تقشفية مالية، وسحب من الاحتياطات النقدية، ورفع الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية والكهرباء، وفرض الضريبة المضافة لأول مرة في السلطنة منذ بداية نهضتها، مع تزامن جيد لارتفاع في أسعار النفط. نأمل أن ينجح ذلك وأن يتعافى الاقتصاد خلال السنوات القليلة القادمة.

الضرائب

ساعدت الوفرة المالية التي حققتها العائدات النفطية فيما مضى الحكومة على أن تلبي الحياة الكريمة للمواطنين وأن توفر لهم فرص العمل الحكومي، ولكن مع ارتفاع فاتورة الانفاق والاستهلاك الحكومي وتزامنا مع انخفاض أسعار النفط وانخفاض الإيرادات وارتفاع معدل الاقتراض الحكومي لتغطية النفقات وانخفاض تصنيف السلطنة الائتماني العالمي لجأت الحكومة إلى المواطن كأحد الحلول المالية في برنامج التوازن المالي ورفعت عنه الدعم تدريجيا وفرضت عليه الضرائب. لم يعتد المواطنون على مصطلح الضرائب فهم كانوا يسمعون بها فقط.

هذا الوضع الذي وصل له اقتصاد البلد هز من ثقة المواطن بحكومته وقدرتها على إدارة ملفها الاقتصادي بكفاءة، وأصيب بصدمة الواقع الذي أكد له بأن تنويع مصادر الدخل كان حلما جميلا استيقظ منه فزعا! ومع ذلك لم يكن للمواطن أن يترك حكومته في ورطة دون أن يمد لها يد العون حتى تخرج من مأزقها الاقتصادي، ولكن كما يقال لا تأتي المصائب فرادى. تأتي الضرائب في وقت فيه الرواتب تتلاشى في أيام معدودة على الجمعيات والقروض البنكية والتمويلات والالتزامات الاسرية، وفي وقت لا تواكب الرواتب فيه غلاء الأسعار، ولا تواكب رفع الدعم عن المشتقات النفطية والكهرباء، وفي وقت تم فيه تسريح كثير من الموظفين من أعمالهم، وفي وقت لا يملك كثير من الناس وظائف، وفي وقت لم يتعافى فيه كثير من التجار من آثار جائحة كورونا، وفي وقت ارتفعت فيه رسوم الخدمات الحكومية!

وماذا بعد؟

سيستمر المواطن محبا لبلده في الرخاء والشدة مضحيا بماله ودمه في سبيل وحدتها واستقرارها. في الحقيقة على الحكومة أن تلتفت إلى أخطاء الماضي بعين البصيرة وأن تعيد ترتيب أوراقها بشكل صحيح، وأن يصبح المواطن جزءا أصيلا في سن القوانين والتشريعات وألا تكون الحكومة منفردة بهذا وحدها. ففي الدول المتقدمة التي تفرض الضرائب على مواطنيها يكون هناك ممثلون حقيقيون للشعب في البرلمانات يسنون القوانين والتشريعات يدا بيد مع حكوماتهم تحت شعار “لا ضرائب بدون تمثيل.” وهناك منظمات مدنية ومؤسسات تراقب وتتابع دور الدولة فيما يخص الثروات الوطنية تحت شعار “الشفافية ومحاربة الفساد.”

“الفساد وسيلة الطبيعة لإعادة تجديد إيماننا بالديمقراطية” – بيتر أوستينوف

إضافة إلى ذلك يجب أن يكون هناك برنامج شامل وخطة واضحة لنقل اقتصادنا من كونه ريعيا إلى اقتصاد إنتاجي، وذلك من خلال توفير المناخ المشجع للمستثمرين على الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، كما يجب تفعيل دور القطاع الخاص وأن تأخذ الحكومة دور المشرف والموجه له.

أخيرا وليس آخرا الاهتمام برأس المال البشري من خلال التعليم والصحة والتدريب حتى يصبح مجتمعنا منتجا قادرا على أن يأكل مما يزرع، ويلبس مما يحيك، ويركب مما يصنع، وليس ذلك علينا ببعيد بإذن الله في ظل الإصلاحات الجوهرية التي تشهدها البلاد في العهد السعيد لقائد البلاد المفدى صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق يحفظه الله.

“لا تسعد الأمة إلا بثلاثة: حاكم عادل، وعالم ناصح، وعامل مخلص” – مصطفى السباعي

المصدر
المسار

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: