آراء الكتاب

حمد الصالحي يكتب للمسار: دروس من الكارثة الهندية!

المسار  |  آراء الكُتاب

الأستاذ حمد الصالحي

لا شك أن جائحة كورونا معضلة لم تكن تتمناها أو تحلم بها أي حكومة في العالم. في الوقت الذي اختطتُ فيه هذا المقال، تمر جمهورية الهند بأوقات عصيبة جدا لم يسبق لها مثيل منذ ظهور الجائحة للمرة الأولى في العام المنصرم. وبحسب تقرير نشره موقع الجزيرة الإخباري في 30 أبريل 2021، فقد أعلنت وزارة الصحة الهندية تسجيل أكثر من 386 ألف إصابة وأكثر من 3500 وفاة خلال يوم واحد، في بلد يبلغ عدد سكانه 1.3 مليار نسمة، فيما أحصت السلطات أكثر من 6 ملايين إصابة في شهر أبريل وحده، ليتجاوز إجمالي عدد الإصابات في الهند عتبة 18 مليونا. ويتساءل الكثير من المراقبين عن الأسباب التي أوصلت الهند إلى هذا الوضع المأساوي للحد الذي أمست ميادينها محارق لجثث ضحايا كوفيد-19.

في هذا المقال أهدف إلى تتبع بعض خيوط الكارثة الصحية في الهند، ثم الوقوف على أهم الدروس المستفادة منها.

  • غياب الاستعداد والتخطيط المبكر

في بداية الجائحة بدأت الهند إغلاقا تاما طويلا رغم تضرر الآلاف من العاملين الذين يكسبون قوتهم بالأجر اليومي وهذا حدث تقريبا في أغلب دول العالم، وقد بدا الأمر جيدا حيث كان الوباء في بدايته. وهنا لست أدري هل استغلت الحكومة الهندية هذا الاغلاق الطويل الممتد لتستعد للظرف الأسوأ؟ في الحقيقة، كل النتائج اليوم تشير للأسف إلى فشل واضح في إدارة أزمة كورونا. ولو أنها حقا خططت واستعدت، فلماذا فقدت الحكومة السيطرة على الوباء بهذه الصورة الخطيرة؟ وبحس وطني صادق، أنتهز الفرصة لأذكر صناع القرار في وطني العزيز بضرورة تعلم هذا الدرس جيدا والإلتفات لأن تكون هناك استعدادات وخطط مرسومة لسيناريوهات مختلفة سيئة ومفاجئة، وألا يترك الأمر هكذا اعتباطا دون تعقل وجاهزية.

  • قانون هزيل

الإغلاق الذي تم في مارس والذي كان متوقعا كردة فعل سريعة على تطور انتشار الجائحة، يبدو لي أنه لم يكن مدعوما بأداة قانونية قوية ورادعة، فقد طالعتنا وسائل الإعلام الهندية المختلفة بمشاهد واضحة للتهاون الشعبي في تطبيق الإغلاق. هذا يقودنا إلى ضرورة تحفيز الوعي الشعبي بأهمية وضرورة احترام قوانين الحظر والإغلاق رغم ما يتبعها من خسائر اقتصادية ومعنوية حتى ندفع عن مجتمعنا وبلدنا ما هو أسوأ. من جانب آخر نستفيد من فشل التجربة الهندية أن تطبيق القانون يجب أن يتم بحزم وعلى الجميع دون استثناء.

  • العاطفة مقابل العقل

على الرغم من موجة كورونا “الثانية” التي اجتاحت الهند لم يمنع ذلك الملايين من الهندوس من الاحتشاد في نهر “الغانج” المقدس حيث يحتفل الهندوس بمهرجان “كومبه ميلا” الديني سنويا، ويعتقد أتباع الديانة الهندوسية أن النهر مقدس، وأن الاستحمام فيه سوف يطهرهم من خطاياهم. وبالرغم من مناشدات خبراء الصحة لإلغاء هذا المهرجان الديني إلا أن الحكومة –عجبا- قررت إقامته بعد وعود منها باتخاذ إجراءات وقائية. ولست أعلم ماهي الإجراءات الوقائية التي ستجدي مع أكثر من 2.1 مليون شخص استحموا في النهر وفقا لما نقله موقع (BBC) الإخباري بتاريخ 12 أبريل 2021.

لا ينبغي أن يكون الدين سبيلا وسببا لإزهاق أرواح الناس، فمن أولويات مقاصد الدين حفظ النفس البشرية. لذلك دعونا نفكر بمنطق العقل والحكمة وألا ندع للعاطفة الجياشة أن تأخذنا بعيدا دون بصيرة. نتألم كثيرا لغلق المساجد ودور العبادة، ولكن فتحها والحال هذا سيكون سببا في التجمعات المستمرة للناس ولا يخفى على أحدد عدد المساجد الكثيرة في بلدنا الحبيب، فلا تكاد تخطو أمتارا بسيطة وبأي جهة حتى ترى مسجدا. وقد يقول أحدهم، ولكن المجمعات التجارية مفتوحة والحق أن عددها لا يساوي عدد المساجد، فضلا عن أن الشخص الواحد غير مطالب بالذهاب إلى المراكز التجارية خمس مرات في اليوم والليلة كما الصلوات، كما أن المواد الغذائية لا غنى لإنسان عنها في معيشته، ونعلم جيدا أن الأرض كلها جعلت مسجدا للمؤمنين، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. والأمر نفسه ينسحب على صلاة الجمعة والتجمع الأكبر للعمرة والحج وأتمنى أن تكون التجربة الهندية رغم قسوتها درسا لأولي الأبصار حكومات وأفرادا.

  • أزمة اللقاح

يعد التطعيم طريقة متوسطة الأجل للتعامل مع الأزمة، ولو كان ثمة سياسة لقاح جيدة من البداية لكان من المحتمل أن تكون الأضرار أقل بكثير مما هي عليه اليوم في الهند. وهذا يعطينا مؤشرا واضحا بضرورة توفير لقاحات كورونا بأسرع وقت، وبكل الطرق الممكنة، ثم التأكد من نجاح حملة التطعيم على مستوى البلاد بأسرع ما يمكن. هذا الأمر سيكون له دور في كبح جماح هذا الوباء وتقليل مخاطره على المدى القريب والبعيد.

أخيرا، يجب أن نولي التخطيط الصحي أولوية قصوى في مرحلة ما بعد كورونا بحيث تكون البنية التحتية الصحية قادرة على مواجهة أصعب الظروف في المستقبل. في الهند بلغت شدة الوباء لأن تتحول حافلات السكك الحديدية لملاجئ موقتة لمرضى كوفيد-19، كما أن الكثير من المرضى كانوا يتلقون العلاج الطارئ وهم في سياراتهم أو على قارعة الطريق. نحمد الله أننا لم نصل لهذه المرحلة، ولكن يجب أن نكون حذرين ومتيقظين، فنحن لسنا بدعا من الشعوب مالم نأخذ بالأسباب.

المصدر
المسار

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: