حوارات

حوار المسار.. “التبسيل” موروث أصيل وظاهرة اجتماعية تتغنى بها ربوع عمان

المسار   |  حوار سارى بنت عبدالله

ظاهرة اجتماعية، وعادة عمانية أصيلة وموروث حضاري تغنت به ربوع عمان منذ الأزل. هناك حين يسدل فصل الصيف خيوطه معلنا دخوله باشتداد حرارة الشمس ليعبر عنه بالقيض، وتتسابق القرى الزراعية في جني الثمار، وتتنافس ثمار تلك النخلة في الجودة والوفرة، وتجتمع العائلات من مختلف الأطياف، نساء ورجال وأطفال يشاركهم الجيران في جو مليئ بالأهازيج مفعم بالحب، تشارك فيه اليد العمانية العمل بجد وإخلاص في ظاهرة تسمى بالتبسيل، حيث يتم طبخ ثمرة النخيل بعد أن يتحول لونها إلى اللون الأصفر وقبل أن تتحول إلى رطب. خلف بن خلفان بن حمود المسروري، صاحب مزارع في ولاية منح مشهورة بإسم ” مزارع الزبادية”، يحدثنا بتفاصيل أكثر عن هذه الظاهرة في حوار خاص لصحيفة المسار.

 حوارات المسار, حوار المسار.. “التبسيل” موروث أصيل وظاهرة اجتماعية تتغنى بها ربوع عمانامتداد لسلسة قديمة من الأجيال

التبسيل هو ظاهرة اجتماعية تعني الكثير لأولئك الذين أحبوا أرضهم وتعلقوا بعاداتهم وورثوا حب العمل والحفاظ على الموروث من آبائهم وأجدادهم. فكما يشير الوالد خلف الذي يحمل كل هذه المعاني تجاه هذه الظاهرة، أن ذلك يعود لكون التبسيل امتداد لسلسة قديمة من الأجيال تتوارث هذه الحرفة لما يزيد عن المائتين عام، مضيفا على ذلك شعوره بالفخر لكونه حافظ على ما صنعه من قبله وأضاف إليه من عنده ما يراه مناسبا؛ فكما يقول: “من لا يتجدد يتبدد، ومن لا يتقدم يتقادم ومن لا يتطور يتدهور”.

المبسلي

ويقول المسروري أن التبسيل يعني تحويل بعض أصناف ثمار النخيل من بسر طري إلى بسر مجففة بقوة درجة حرارة النار، ويمكن أن يستخدم في الصناعات التحويلية كالحلويات والبسكويت والمعجنات. ويشير الوالد خلف إلى أن كلمة التبسيل تعود إلى المبسلي وهو الصنف المشهور من ثمار النخيل في عمان الذي يستخدم لهذه الصناعة والذي يتميز بوفرة إنتاجه وحجم ثمرته، مشيرا إلى أن أكثر المحافظات شهرة بهذه الظاهرة هي محافظتي الشرقية ومحافظة الداخلية.

تهيئة التركبة

وفي الحديث عن مراحل عملية التبسيل، يخبرنا المسروري بأن موسم التبسيل يبدأ في أواخر شهر يونيو وبداية شهر يوليو، مشيرا إلى أن ذلك يعود لعوامل عديدة منها الطقس ودرجة الحرارة والمكان، فلا يمكن تحديد يوم معين حيث لا يعتبر التاريخ معيارا لتحديد هذا الموسم بل يعرف بالعلامات التي تظهر على النخلة، وأهمها: تغير لون البسر من الأصفر الفاتح إلى الأصفر الداكن وظهور بعض الرطب والتمر في العذوق فعندما تظهر هذه العلامات يحين موسم التبسيل. ويضيف المسروري: “فأول ما نقوم به هو تهيئة المكان الذي سيكون فيه التصنيع والمسمى عند العمانيين (التركبة)، حيث ينفض الغبار عنها بعد هجرها لعام كامل، ويخرج الرماد المتراكم في أسفلها ويهيأ مكان التجفيف والتخزين للبسور، وعادة ما تكون هذه التجهيزات قبل أيام قلائل من بداية الموسم”.

 طاح موراده الجداد يخدم على أولاده الجداد

أما حين يبدأ الموسم فيشير المسروري إلى مجيء الرجال والنساء والأطفال من الأهل والجيران للمساعدة، كل له عمله الخاص الذي اعتاد عليه، مصحوبًا هذا اللقاء بالأهازيج والترانيم التي تحفز للعمل وتشحذ الهمم وتسلي الخاطر. ولعل ما بقي في الذاكرة من هذه الترانيم كما يخبرنا المسروري: “طاح موراده الجداد يخدم على أولاده الجداد”. ويرى المسروري أنه مع تقدم الزمان وتبدل الحال، بدأت هذه الطقوس في التناثر وقل عدد العاملين بها والقائمين عليها. فبعد أن كانت هذه الصناعة في أغلب ولايات السلطنة بقيت مقتصرة على ولايات معدودة،  فكأن نجوم السماء بدأت في الأفل، وكأن نخلة المبسلي تستغيث بأهلها وتنادي هل من مجيب، كما عبر عن ذلك المسروري، مؤكدا أن العمل أصبح مقتصرا على الرجال دون النساء ثم قل عدد العاملين في هذه الحرفة وتناقصت أعداد نخيل المبسلي، ومن بقي لديه هذا الصنف جعله علفا لدوابه، وعلى سبيل المثال كما قال المسروري أنه لم يبقى في محافظة الداخلية من يقوم بهذه الحرفة إلا عائلة واحدة نجمها بقي ساطع في السماء بعد أن زالت كل النجوم بنورها قائلا: “فهذه هي الحداثة لا تعطينا إلا بقدر ما تأخذ منا ولا تأخذ منا إلا بقدر ما تعطينا”.

جداد النخلة

ويحدثنا المسروري بأنه تبدأ أولى مراحل التبسيل بما يسمى جداد النخلة، ومعنى الجداد هو قطع العذوق (العسق) التي تحمل الثمار وإنزالها بحبل يسمى الموراد، وطريقة الإنزال هذه تكون بتثبيت الحبل في أعلى النخلة ويمسك الطرف الآخر للحبل في الأسفل بمسافة تبعد عن النخلة ببضعة أمتار ثم ترمى العذوق واحدة تلو الأخرى في الحبل فتنزل بشكل سريع محدثة صوتا مميزا يجعل السامع يسرح في عبق الذكريات والماضي الذي لا ينسى. ويعبر المسروري عن الطريقة الأخرى لإنزال الثمار بقوله: “جعل الحبل بشكل عمودي وربط العذوق به، فتنزل بحذر، ويرتفع الحبل من الطرف الآخر، وهي أشبه ما تكون باستخراج الماء من البئر غير أن هذه الطريقة تستغرق وقتا أطولا من الطريقة الأولى، والغرض من هذه الطرق هي إنزال الثمرة سليمة ونظيفة خالية من التشققات والأتربة التي غالباً ما تعلق بها إذا سقطت مباشرة من دون حبل، فتؤخذ هذه الثمار وتنقل إلى مكان التصنيع”.

الفرز

يصل بنا المسروري إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة الفرز، حيث يؤخذ الرطب والتمر والبسر الغض والبسر المتشقق والذي به خدوش من العذوق فلا يبقى في العذق إلا البسرة السليمة الخالية من العاهات والتشوهات.

 السحال

وبعد هذه المرحلة كما يقول المسروري، تأتي مرحلة السحال، وهي فصل البسرة عن العذق (العسقة) ويكون بعدة طرق، منها باليد ومنها باستخدام العصي ومنها عن طريق النفض.  فتجمع هذه البسور في صناديق أو في قفر لتلقى في الماء بعد الغلي وفي هذه المرحلة يقوم بعض العاملين بإيقاد النار وملء القدور النحاسية (المراجل) بالماء الصافي.

الطبخ

ويشير المسروري إلى المرحلة التالية، وهي مرحلة الطبخ، وعادة ما يقوم بالطبخ صاحب الخبرة والمهارة والتي يكتسبها ممن كان قبله في هذا المجال. وتتراوح مدة الطبخ بين ربع ساعة ونصفها وقد تزيد أو تنقص تبعا لقوة النار وحجم المرجل، مضيفا: “فلا عبرة بالوقت في ذلك وإنما العبرة في العلامات التي تدل على النضج، وأهم هذه العلامات تغير لون البسر من الأصفر إلى البني وظهور التشققات البسيطة على بعض البسر”. مشيرا إلى أنه عند نضج البسر يغرف بواسطة أداة مخصصة لهذا العمل والتي غالباً ما تكون قد صنعت من سعف النخيل وفي الوقت الحاضر استبدلت بالحديد. ويعرف البسر بعد الطبخ عند العمانيين بمسمى (الفاغور) والذي يأخذ الناس جزء منه للأكل ويترك أكثره للتجفيف.


التجفيف

يقول المسروري: “بعد مرحلة الطبخ تأتي مرحلة التجفيف، فيجفف البسر في مكان مسطح مليئ بالحصى و خالي من الأتربة والرمال يعرف هذا المكان بمسمى (المسطاح(، حيث يترك البسر في (المسطاح) مدة ٧ أيام حتى يجف كاملاً ثم يؤخذ إلى مكان التخزين فيخزن لعدة أشهر حتى يحين وقت التصدير.

جودة المنتج

ويذكر المسروري أن جودة المنتج تعتمد على عدد من العوامل وهي: حجم الثمرة، خلوها من التشوهات والخدوش والاعوجاج، لون الثمرة(فكلما كانت مائلة للاصفرار كانت أجود وكلما كانت مائلة إلى السواد كانت أقل جودة.

متى يتلف المبسلي؟

ويؤكد المسروري بأن تمور المبسلي معرضة للتلف في كل الأوقات سواء كان ذلك أثناء عملية التبسيل أو قبل التبسيل أو بعده، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل منها الأحوال الجوية مثل: الأمطار والرياح واختلاف درجات الحرارة، ومنها ما تكون أثناء الجداد مثل إلقاء (العذوق) من النخلة إلى الأرض بدون إستخدام حبل الموراد أو الاستعجال في الجداد قبل النضوج التام للثمار، مبينا أن تلفها أثناء عملية التبسيل يكون في الغالب إذا زادت النار أو قلت على المبسلي أثناء الطبخ.

مدى الإقبال على المبسلي

وعن مدى الإقبال على المبسلي، يجيبنا المسروري: “المبسلي له إقبال كبير سواء كان من داخل عمان أو من خارجها، فعلى الصعيد الداخلي يستخدم في صناعة بودرة التمر أو سكر التمر وذلك عن طريق الطحن بمعدات خاصة لذلك. أما على الصعيد الخارجي فقد جرت العادة في تصدير هذا المنتج إلى جمهورية الهند وبعض الدول الأوروبية بتنسيق مع وزارة التجارة والصناعة”. ويضيف بأنه في السنوات الأخيرة أصبح هناك تنافسا من قبل شركات القطاع الخاص لشراء هذا المنتج.

تلاشي العادة..

ويُرجع المسروري سبب تلاشي هذه العادة في الكثير من مناطق السلطنة إلى عدة أسباب منها:

الطريقة المعيشية التي يعيشها الناس، فكما يقول: “فقد أصبحت الناس تبحث عن الراحة وتنفر من الأعمال الشاقة وزادت الضغوطات الحياتية عليهم، فلم يعد لهم وقت أو همة في إحياء هذه العادة”. ويذكر لنا سببا آخر وهو ثبات الأسعار، موضحا ذلك بقوله: “فمنذ ثمانينات القرن الماضي وأسعار المبسلي لا تتغير والأسعار هي ٤٠٠ بيسة للكيلو إذا كان ذو جودة عالية، فالقيمة الشرائية للريال في ثمانينات القرن الماضي ليست هي في عام ٢٠٢٠ لذلك قل العائد الاقتصادي بشكل كبير جداً مما جعل الناس تعطي ثمار المبسلي كأعلاف للحيوانات بدلاً من التبسيل”، مضيفا على ذلك غلاء تكلفة اليد العاملة والتأخر في الابتكار.

المحافظة على الحرفة

ويرى المسروري أن دورنا كمواطنين هو المحافظة على هذه الصناعة مع تطويرها بحسب الإمكانيات المتاحة وتشجيع بعضنا البعض للإستمرارية والدوام في هذا المجال. وفي الجانب الآخر يرى أن على الجهات المختصة تقديم الدعم للمواطن معنوياً ومادياً والأخذ بيده إلى ما هو أصلح له ولها والمحافظة على هذه الحرفة والمهنة. 

خطط مستقبلية

ويوضح لنا المسروري خططه المستقبلية في هذا المجال والتي تبرز في رغبته استخدام هذا المنتج في الصناعات التحويلية بدلاً من تصديره كمادة خام، كصناعات سكر التمر ليكون بديلاً عن السكر الأبيض وإدخاله في صناعة الخبز والبسكويت.

وفي الختام يقول الوالد خلف المسروري: :”أقدم شكري لكل من حافظ على هذه الحرفة وعلمها لأبنائه، إذ أن المحافظة لا تغني وحدها فلا بد من تعليمها للغير كي نضمن الإستمرارية. وأشكر كل الإعلاميين والصحفيين على إتاحتهم الفرصة لنا لتعريف الناس بهذه العادة الطيبة وهو بحد ذاته يعتبر دعماً لنا وتشجيعا فلهم منا كل الشكر والتقدير.

حوارات المسار, حوار المسار.. “التبسيل” موروث أصيل وظاهرة اجتماعية تتغنى بها ربوع عمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock