رأي المسارمقالات الرأي

د. بدر البلوشي يكتب: الحماية الاجتماعية.. وعود بلا أثر!

المسار | آراء الكتاب

د. بدر بن أحمد البلوشي

لطالما كانت الحماية الاجتماعية ركنًا أساسيًا في منظومة العدل المجتمعي، وهي الحصن الذي يستند إليه المواطنون لحماية مكتسباتهم وتحصين مستقبلهم من التحديات والظروف المتغيرة. يتطلع الجميع إلى نظام قادر على توفير العون في وقت الحاجة، ومتكامل يشمل الجميع دون استثناء، ليصبح ضمانًا حقيقيًا لمستقبل آمن.

غير أن هناك أصواتًا تزداد وتيرة تساؤلها، عاكسة شعورًا بالأسف والخيبة تجاه ما يصفونه بأن المنفعة لا تتماشى مع حجم الأمل المنشود. تكمن أهمية الحماية الاجتماعية في توفير الاستقرار النفسي والمادي للفرد والأسرة، إذ يشمل الدعم على سبيل المثال برامج الرعاية الصحية، والتأمين الاجتماعي، والتقاعد، ومساعدات الإيجار والدعم المعيشي.

ومع ذلك، يشعر البعض أن الأثر الفعلي لهذه البرامج لا يتناسب مع التحديات التي يواجهها المجتمع، متسائلين عن ما إذا كانت هذه البرامج تصل بالفعل إلى أولئك الذين يحتاجونها.

ومع كل تطلع جديد أو آمال للمستقبل، يتساءل البعض بصوت يتردد فيه الاستغراب: “مدري ليش المنفعة ما منها منفعة”!   وعند النظر بتمعن فيما يؤرق الكثير من الأفراد، نجد أن هناك تساؤلات عميقة حول واقع منافع الحماية الاجتماعية ومدى شموليتها وملاءمتها للحياة العصرية. يرى البعض أن شريحة كبيرة من المواطنين لا تحصل على الحماية الكافية، فتقف بين براثن الهموم المعيشية دون سند واضح.

ويكمن جوهر التساؤل في أن الحماية الاجتماعية يجب ألا تكون مجرد منظومة “إجرائية“ بل ضمانًا للكرامة والعيش الكريم، وأداةً تعين الناس على مواجهة أعباء الحياة دون قلق متزايد.

من الواضح أن المنفعة التي ينتظرها المواطنون تتجاوز الأرقام والإحصاءات، إذ ينظرون إلى منافع ملموسة تجعلهم مطمئنين لمستقبلهم ومستقبل أسرهم، وأن يكون هذا النظام حافلاً بالآمال الملموسة وليس مجرد شكل تنظيمي، بل حياة تعود بالنفع الحقيقي، تتجاوز مجرد الدعم الأساسي لتصبح وسيلة تحسين وتطوير، تلبي الطموحات وتجعل من الحماية الاجتماعية قيمة فعلية.

يرى بعض المنتقدين أن الثبات في مستوى المنافع مقارنة بتكاليف الحياة المتزايدة لا يسهم في تقليص الفجوة، بل يجعل منها سببًا في تضخم التحديات.

في ضوء هذا الواقع، لا يمكن تجاهل أهمية تبني سياسات تستجيب لحجم تطلعات الأفراد، تتسم بالمرونة والديناميكية لتواكب التغيرات السريعة في متطلبات الحياة.

إنَّ النظام الذي يستند على المعايير الإنسانية يلبي تطلعات الأفراد في توفير الحياة الكريمة، لكن عندما يعبر المواطن عن شعوره بأن المزايا لا تعينه فعليًا على مواجهة أعباء الحياة اليومية، فهذه دلالة واضحة على ضرورة إعادة النظر في فلسفة النظام ليصبح أكثر شمولية وقدرة على مواجهة الواقع.

يتطلع المجتمع إلى نظامٍ يدرك أن الحياة تتغير، وأن الاحتياجات تتضاعف، وأنه لا بد من أن تكون البرامج متكاملة تتجاوز العقبات الإدارية، متحسنة بشكل مستمر، لتصل إلى من يحتاجها دون تعقيدات أو إجراءات تطيل فترة الانتظار أو تجهد طالبي الدعم.

يطمح الكثيرون إلى إجراءات سريعة وفعالة تمنحهم الحماية الحقيقية في اللحظة التي يحتاجون فيها للمساعدة، وفي جوهر هذا الطموح صوت صادق يسأل: أين الأثر؟  

فما ينتظره المواطن ليس مجرد دعم، بل استجابة آنية وشعور بأن النظام يستمع لصوته ويلبي احتياجاته.

وفي الوقت الذي تعبر فيه شريحة ليست بالقليلة عن استيائها مما تصفه بـ”المنفعة التي لا تُفيد”، تتجلى في أذهاننا مسؤولية أكبر لإعادة النظر في مفهوم الحماية الاجتماعية بعمق أكبر.

إذ يشعر المواطن بأن الفائدة ليست مادية فقط، بل هي أمان يعول عليه في مستقبله ومستقبل أبنائه، وأن هذه الحماية يجب أن تواكب تقلبات الحياة وتعقيداتها.

لن يتوقف المواطن عن التساؤل، لأن هذه الحماية ليست مجرد نظام اقتصادي، بل رسالة أمل تؤكد حق الجميع في الحياة الكريمة، وتجعل من الحياة رحلة أكثر استقرارًا وأمانًا.

الشعور المتنامي بالحاجة إلى تعديل مسار الحماية الاجتماعية يمثل طموحًا مشروعًا يحمله كل مواطن، ويشكل دعوة لكل من ينشد رفعة الوطن لاستشراف آفاق تجعل من الحماية الاجتماعية ركنًا لا يمكن التشكيك فيه، وأداة تترجم حاجات الناس إلى واقع معاش. لطالما كانت الرعاية السامية لمولانا السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – وحكومته المتفانية في خدمة المواطن نبراسًا يضيء الطريق نحو مجتمع عادل ومزدهر. تأتي جهودهم المستمرة لتعزيز الحماية الاجتماعية كترجمة صادقة لرؤية سديدة تهدف إلى توفير حياة كريمة لكل مواطن، وتلبية احتياجاته وفقًا لأعلى معايير الكفاءة والكرامة. إن حرص الحكومة الدؤوب على تحسين جودة الخدمات المقدمة وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية يعكس التزامًا عميقًا تجاه رفعة الوطن ورفاه المواطن، لترسيخ منظومة تُحقق الأمان والاطمئنان لأبناء هذا الوطن المعطاء.

المصدر
المسار-خاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى