رأي المسار

تقرير المسار:

رؤية عُمان 2040.. مشروع وطني طموح وقاعدة ارتكاز للنهضة المتجددة

المسار   |   تقرير علي العجمي

حفل العام الأول من مسيرة النهضة المتجددة التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- بمنجزات رغم ما مرت به عمان والعالم من تحديات، فقد تحقق على أرض الواقع العديد من المتغيرات والتحولات التي عكست حجم الجهد المبذول على مختلف الأصعدة.

وتمثل الرؤية المستقبلية “عمان 2040” المشروع الوطني الأول لهذه المسيرة الظافرة، فمن يُمن الطالع أن تكون سنة الأساس لهذه الرؤية (أي عام 2020) العام الأول من حكم جلالة السلطان المعظم -نصره الله- بينما تكون الانطلاقة الحقيقية والفعلية في عام 2021، وهو العام الثاني من حكم جلالته، بعدما أثمرت الجهود الدؤوبة -بناءً على الرؤية السامية لجلالة السلطان- في عام 2020 العديد من النتائج الإيجابية، من خلال إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وكذلك تبني خطط الترشيد المالي وحوكمة الإنفاق، وإعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة أو تلك التي تساهم فيها الحكومة، وأيضا توحيد أنظمة التقاعد وغير ذلك من إجراءات يمكن اعتبارها بمثابة تمهيد لانطلاق الرؤية المستقبلية “عمان 2040”. فبدون مثل تلك الإجراءات التي شهدها العام الأول من حكم جلالته- أيده الله- لم تكن لتتوافر البيئة المواتية لتطبيق الرؤية المستقبلية، عوضا عن بقاء الوضع السابق بما فيه من اختلالات هيكلية ووظيفية، عالجتها الحكمة السامية عبر حزمة من المراسيم السلطانية النافذة، والتوجيهات السلطانية الحكيمة، والأوامر السامية الكريمة.

محاور رؤية 2040

وعندما نتحدث عن رؤية “عمان 2040″، فإن الواقع يشير إلى أنها الرؤية التي ستنتقل بعمان إلى مصاف الدول المتقدمة، ومصداقا للنطق السامي: “إن الإنتقال بعُمان إلى مستوى طُموحاتكم وآمالكُم في شتّى المجالات، سيكون عنوانَ المرحلة القادمة”. وتلك المرحلة ترتكز على المحاور الأربعة للرؤية المستقبلية: الإنسان والمجتمع، والاقتصاد والتنمية، والحوكمة والأداء المؤسسي، والبيئة المستدامة. وتلك المحاور الأربعة تتضمن 13 أولوية وطنية، تتفرع في مختلف المجالات، والبداية مع التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية؛ حيث تضع هذه الأولوية توجها استراتيجيا يقوم على إنشاء منظومة تعليمية شاملة ومستدامة، بالتوازي مع جهود حثيثة لإرساء نظام للبحث العلمي الذي يقود إلى مجتمع المعرفة، ويبني القدرات الوطنية ويعزز من تنافسيتها، فضلا عن تبني معايير جودة عالية، وتطبيق الحوكمة على أسس ومعايير وطنية وعالمية. ولا شك أن مثل هذه المنظومة تتطلب وجود مناهج ومقررات دراسية معززة للقيم تتماشى مع مبادئ الدين الحنيف، وتتوافق مع طبيعتنا العمانية العربية الأصيلة، وذلك ارتكازا على عنصرين رئيسيين؛ الأول: الإرث الحضاري لعمان، والثاني: الحرص على اكتساب مهارات المستقبل بإبداع وفهم عميق. كما إن تحقيق ذلك الهدف في قطاع التعليم، يستلزم تعزيز قدرات الموارد البشرية، من المعلمين والإداريين والموظفين في مختلف الجهات ذات الصلة بقطاع التعليم، فضلا عن دعم الباحثين وأصحاب الإبداعات والمبتكرين في إطار من منظومة وطنية فاعلة تساعد على بناء اقتصاد المعرفة.

وأولت الرؤية المستقبلية “عمان 2040” القطاع الصحي عناية كبرى، واضعة نصب أعينها هدف بناء نظام صحي رائد مرتكز على معايير عالمية، من أجل بناء مجتمع يتمتع أفراده بالصحة، وإنشاء نظام صحي لا مركزي على جودة عالية، مع تطبيق الشفافية والمساءلة والعدالة.

ومن بين الأولويات التي تتطرق لها رؤية “عمان 2040“، جانب المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية، والتي تهدف إلى بناء “مجتمع معتز بهويته وثقافته وملتزم بمواطنته”، وهنا يتضح مدى عمق الأولويات، وأن هذه الرؤية المستقبلية ليست فقط رؤية اقتصادية وحسب، بل هي رؤية وطنية متكاملة الأركان، ومتوحدة في الأهداف والتطلعات. إذ من شأن بناء أفراد ذوي هوية وطنية مميزة، أن يتحلوا بالثقة في أعمالهم، بل إنهم سيسعون للحفاظ على ما يزخر به تراثهم من تفاصيل تعزز من ثقافتهم وتلهمهم الدعم والتشجيع.

حياة كريمة مستدامة للجميع

وفي أولوية الرفاه والحماية الاجتماعية، تستهدف الرؤية المستقبلية توفير “حياة كريمة مستدامة للجميع”، من خلال بناء شبكة أمان اجتماعي فاعلة ومستدامة وعادلة، وهذا ما تحقق بناءً على التوجيهات السامية بإنشاء صندوق الأمان الوظيفي، فضلا عن التوجيه بإنشاء مظلة حماية اجتماعية لحماية الأسر من التداعيات الاقتصادية، وضمان عدم تأثرهم بأي إجراءات حكومية لترشيد الإنفاق أو إعادة توجيه الدعم. وتستهدف هذه الأولوية كذلك تقديم “خدمات وبرامج اجتماعية متطورة ملبية لاحتياجات المجتمع”، بهدف توفير الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجا والمستحقين لأي دعم حكومي من الدولة. وهذا لن يتحقق سوى بتكاتف جهود مؤسسات الدولة مع القطاع الخاص، من خلال بناء شراكات استراتيجية فاعلة، وقيام القطاع الخاص بمسؤوليته الاجتماعية، وتوسيع أدوار مؤسسات المجتمع المدني لتقوم بما يناط به من مهام في مجالات التنمية الاجتماعية، وفق ما تحدده القوانين المنظمة في هذا الإطار.

الجانب الاقتصادي

أولوية أخرى تستهدفها رؤية “عمان 2040“، وهي أولوية القيادة والإدارة الاقتصادية، والتي تسعى إلى التأسيس لـ”قيادة اقتصادية ديناميكية بكفاءات متجددة تعمل في إطار مؤسسي متكامل”، وقد تحقق جانب مهم ومؤثر من هذه الأولوية بفضل عملية إعادة الهيكلة التي جرت في عدد من مؤسسات الدولة والشركات الحكومية، من خلال توحيدها تحت مظلة جهاز الاستثمار العماني. ومما يدلل على ذلك، أن من بين أهداف هذه الأولوية إيجاد “جهة مرجعية ممكّنة للشأن الاقتصادي تعمل لتحقيق غايات التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعي”، إلى جانب الهدف الخاص ببناء “منظومة تشريعات اقتصادية فعالة ومُمَكنة تواكب المتغيرات”، وبالفعل فقد شهدت المرحلة الماضية إصدار عدد من القوانين والتشريعات ذات الصلة بالملف الاقتصادي.

ويمكن اعتبار أولوية “التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية”، أحد أبرز الأولويات التي تضمنها الرؤية، خاصة وأنها تستهدف- وفق توجه استراتيجي- تعزيز التنويع الاقتصادي وتحقيق الاستدامة عبر أدوات ووسائل تقوم على المعرفة والابتكار، وفق أطر متكاملة تواكب التقدم التكنولوجي الهائل في العالم من حولنا. ويمكن القول أيضا إن جزءا من هذه الأولوية تحقق مع تطبيق خطة التوازن المالي (2021- 2024) والتي تسعى إلى تقليص الدين العام للدولة، وخفض العجز المالي، وأيضا تحقيق الاستدامة في الإيرادات من خلال إيجاد مصادر جديدة للدخل، مثل الضرائب وإعادة توجيه الدعم الحكومي.

وثمة أولويات أخرى منها أولوية سوق العمل والتشغيل، والقطاع الخاص والاستثمار والتعاون الدولي، وتنمية المحافظات والمدن المستدامة، والموارد الطبيعية والاستدامة البيئية، ومنظومة التشريع والقضاء والرقابة، والشراكة وتكامل الأدوار، وحوكمة الجهاز الحكومي والموارد والمشاريع، وهي أولويات تخدم في مجملها الهدف الوطني الأسمى، المتمثل في وضع عمان في مصاف الدول المتقدمة.

وفي ظل الحرص السامي على تحقيق الرؤية المستقبلية “عمان 2040″، فإن ممكنات التطبيق باتت مكتملة، لكن الأمر يتطلب أيضا مشاركة كل مواطن ومواطنة في هذه المهمة الوطنية، فبتكاتف الجهود وحسب تتحقق الرؤية، فتطبيقها مسؤولية المجتمع بأسره، من أفراد ومؤسسات دولة وقطاع خاص ومؤسسات مجتمع مدني والقطاع الأهلي، من أجل أن نبني عمان المستقبل التي نريدها وهي تنعم بالرخاء والاستقرار والتنمية المستدامة والشاملة.

المصدر
المسار

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: