سالم الحجري يكتب: الإنسان.. وحقوقه
المسار | آراء الكُتاب
سالم بن حمد الحجري

لا يزال الإنسان في هذا الزمان يبحث عن حقوقه المهدورة في أتون الحروب والصراعات، ولا تزال الشعارات البراقة حول ضمان حقوق الإنسان وتطلعاته نحو الحرية تطلق بلا خجل في المحافل الدولية، وكأن ما يحدث يوميا في غزة ولبنان والسودان شيئاً خارجاً عن مجموعة مفاهيم الإنسان وحقوقه لما يُسمى بالمجتمع الدولي، وكأن الهولوكوست (المحرقة) لا تُعيد نفسها بل وبعرض تلفزيوني مباشر منذُ ثلاثة عشر شهراً بينما هذا الضمير العالمي صامت ولا يحرك ساكنا في ازدواجية فجة للمعايير، تلك المعايير التي عرفها حديثا الغرب المتشدق بالقيم والمبادئ بينما تأصلت في المجتمع الإسلامي منذ نزول وحي الرسالة الإسلامية الخالدة.
غزة وحدها إذنْ من يجب عليها أن تواجه الظلم والطغيان لمحتلٍ غاشمٍ أثبت في كل المواجهات بأنه بالفعل أوهنُ من بيت العنكبوت ولو حاول مجرم الحرب نتنياهو إظهار عكس هذه الحقيقة ولولا مساندة الغرب الخبير بالاستعمار وعلى رأسه الولايات المتحدة لما بقي هذا الكيان حتى ساعة قراءة هذا المقال، الغرب الذي خبُر سوء أفعال الشرّ الصهيونية على مر القرون، يجتهد لكي يظل كيان الشر باقيا كقوة كبيرة في الشرق ولو كان ذلك على حساب كل المواثيق والمبادئ التي خطها ذات عام وهو ينظر لما فعلته يده من تدمير لمظاهر الحضارة والإنسانية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، في حرب إبادةٍ لم تعرف البشرية لها مثيلا وليته وقف متفرجا بل كان مشاركا بها في مد المحتل بكافة صنوف آلة الدمار والنار التي عوقب بها الشعب الفلسطيني ليس لجريرةٍ سوى نضاله للانعتاق من عبودية الصهاينة ومن والاهم.
وغزة أيضاً وحدها من فضحت المنظمات والهيئات الدولية التي ما نشأت إلا خدمة للأجندات الغربية العنصرية، وتكريساً للهيمنة والضغط السياسي على المستضعفين في هذا العالم، هي نفسها تلك المنظمات التي تقف متفرجة على حرق النساء والأطفال والتنكيل بالفلسطينيين وكأنهم من عالم آخر أو يحملون جينات غير بشرية أو أنهم ارتكبوا جرماً عظيما تخرجهم من مِلّة الإنسانية، تلك المنظمات التي تقوى شوكتها عندما يتعلق الأمر بالشذوذ والانحطاط الأخلاقي وتسميه جزافا بالحرية، وتصمت صمت القبور عندما تهان كرامة الإنسان حصاراً وتجويعاً وقتلاً وتنكيلا، أين منظمات الأمم المتحدة المتخصصة في الأمومة والطفولة اليونسيف مما يجري للنساء والأطفال من تنكيلّ وعذاب ينْدى له الجبين وتنفطر له القلوب، أين اليونسكو من جرائم الكيان الإرهابي من تدمير للمدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية، أين منظمة الصحة العالمية من جرائم المحتل في تدمير المؤسسات الصحية والمستشفيات المحمية بالقانون الدولية من أي نزاع أو اعتداء أو من منع الصهاينة للدواء والغذاء لأكثر من مليوني إنسان في القطاع المحاصر منذ أكثر من 17 عاما. أين منظمات العدالة الدولية مثل محكمة العدل الدولية التي تأسست عام 1946 ومحكمة الجنايات الدولية مما يحدث من جرائم ترتكبها دولة الإرهاب الأولى في حق الشعب الفلسطيني واللبناني مع سبق الإصرار والترصد وبأدلة قانونية يتابعها العالم مباشرة عبر أجهزة التلفاز، أين المنظمات الدولية التي تُعنى بالعدالة وحقوق الإنسان والتي ما فتأت تصدر إعلاناتها وتقاريرها إدانة للدول العربية والإسلامية في انتهاكات لا تساوي ذرة مما يُرتكب اليوم من الكيان البغيض، إنها الآن تدسُّ برأسها في التراب متعامية عما يحدث من إرهاب مكتمل الأركان.
ثمّة مشهد يتشكل الآن، فلا عار على هذا العالم – الذي لطالما وصف نفسه بالمتحضر- أكبر مما يحدث في فلسطين ولبنان، هنالك جيل ينشأ في وسط هذا الدمار والقتل والخذلان، يرى قاتل أهله رأي العين ويعلم يقيناً أن ثأراً تستعر ناره في قلبه، وأنّ حساباً مفتوحاً أمامه ليصفيه مع أراذل الأمم وحثالتها الذين احتلوا أرضه واغتصبوا حقه في الحياة بكرامة، ثمة طفل ولد في خيام النزوح ونشأ في معاناة الاحتلال وتنكيله، واعتقل في سجون من هجّروا أهله وسلبوا أرضه، هذا الطفل سيكون سنواراً جديداً يضرب مواعيدَ مستقبلية في أكتوبر أو غيره، كافراً بكل تشدّقات وخرافات ما يسمى بالمجتمع الدولي وحقوق الإنسان والعدالة الدولية التي سقطت وهوت عميقا أمام صرخات الثكالى وأنين الجرحى، فليس من عاش المأساة بتفاصيلها كمن كان متفرجا وأحيانا لاهيا في ملذاته عاجزا حتى عن أبسط طرق وأساليب النصرة كالمقاطعة وبذل المال والنشر الإعلامي لجرائم بني صهيون.
يودّ المجرم أن نسكت عما يرتكبه من إجرام ولذلك لا يوفر وسيلة إلا ويستنفرها لوقف النشر والتوثيق الإعلامي، وما حربه على الإعلاميين ووسائل الإعلام في غزة إلا مثالا واضحا على أنه يتألم من نشر جرائمه، لذا لن نسكت ولن نتوقف عن النشر والكتابة والمقاطعة نصرة للحق ودعما لأخوة الدم والعروبة والإسلام، وفضحا لعربدةِ طغاة العصر المارقين، وهي معركة لا تعرف الحياد أو الوقوف في المنتصف، فإما أن يقف المرء في صف العزة والكرامة والحق الساطع في الحرية، أو الانحدار للدرك الأسفل و السقوط بلا قاع.