رأي المسارمقالات الرأي

سالم الحجري يكتب: قوة الردع

المسار | آراء الكُتاب

سالم بن حمد الحجري

سالم بن حمد الحجري
سالم بن حمد الحجري

شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية توترًا عسكريًا خطيرًا بين إيران وإسرائيل ولا يزال الوضع يهدد بنشوب حرب إقليمية لا يعلم أحد مداها، وكادت ما يسمى بالفعل ورد الفعل أن يشعل تلك الحرب ولا تزال المنطقة برمتها على صفيح ساخن، فهل ستستمر تلك الوتيرة من المواجهة بنفس الزخم؟ هل سترد إيران على آخر جولة من المواجهة في الضربة الإسرائيلية أواخر شهر أكتوبر الماضي ردًا على الهجوم الصاروخي الإيراني غير المسبوق على الكيان الصهيوني؟ أم أن هذه الجولة قد انتهت بتعادل الطرفين؟

تُعرف قوة الردع بأنها الاستراتيجية التي تُثني العدو وتردعه عن قيامه بأي عدوان أو هجوم، إذ إن القوة لا تواجهها إلا قوة مماثلة لها، وهي صفة للصراعات طويلة المدى مثلما حدث في فترة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا استمرت لعقود ، وكما هو الحال الآن بين إيران وإسرائيل في آخر المواجهات بين القوتين في المنطقة والتي تنامى فيها التصعيد بعد طوفان الأقصى وانخراط حزب الله في المواجهة كجبهة إسناد وما لحق ذلك من تحرش مؤلم من إسرائيل بدأ بقصف مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق واغتيال أبرز القيادات العسكرية الإيرانية، وما أعقب ذلك من رد إيراني تمثل في قصف ببعض الصواريخ وسرب من الطائرات بدون طيار (درونز). ثم لحق ذلك استمرار إسرائيل بسياسة الاغتيالات سواء باغتيال إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس في طهران، أو حتى لقيادات حزب الله انتهاء باغتيال السيد حسن نصر الله الأمين العام السابق لحزب الله، إلى أن جاء الرد الإيراني غير المسبوق برشقة صاروخية ضخمة وكان يمكن أن تكون مدمرة لو كانت الصواريخ تحمل قوة تدميرية أكبر، بينما جاء الرد الإسرائيلي غير مباغتًا ولا تدميريًا كما هدد قادة الكيان مرارًا ولم يعرف حتى الآن تأثيره على المواقع الاستراتيجية الإيرانية، لكن الشاهد مما حدث هو يبدو أن الجانبين قد اقتنعا بوقف الهجوم المتبادل وأن قوة الردع قد فعلت مفعولها على الأقل في هذه المرحلة.

واقعيًا، لا يريد الطرفان أي تصعيد يفضي إلى الحرب الشاملة – وغير مستبعد ذلك مع الحكومة الصهيونية المتطرفة – فالمواجهة الأخيرة أعطت كل طرف صورة واضحة عما يملك نظيره من قوة وما يمكن أن يخسره في حالة نشوب الحرب الشاملة، مثلا إيران تملك برنامجًا صاروخيًا غاية في السرية في منشآت تحت الأرض بدأ بالصاروخ الموجه “عماد” مرورًا بالصواريخ فرط صوتية مثل صاروخ “فتاح” والتي تمتلكها دول محددة في العالم مثل روسيا وأمريكا والصين ويتميز بقدرته على تخطي منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي “Arrow” السهم. وبحسب التقديرات والمعلومات الاستخباراتية يتوفر من هذه الصواريخ عدد كبير في مخزون إيران وهي قادرة – فيما لو أراد الإيرانيون – أن تحمل رؤوسا تدميرية ضخمة وليس كما ظهرت في هجوم إيران الأخير، فضلًا عن إنتاجها من طائرات درونز بمختلف أجيالها والتي أثبتت فعاليتها سواء في جنوب لبنان أو في الحرب الروسية الأوكرانية حيث كانت إيران أكبر مزودي روسيا بهذا النوع من الأسلحة، الأمر الذي يهدد بتدمير محطتي الغاز البحريتين ومصافي ومنشآت النفط في حيفا مما يسبب شللا اقتصاديا لا يمكن لإسرائيل احتماله.

كما تملك إيران منظومة الدفاع الجوي الروسية S300  و S400 والتي كانت جاهزة للتدخل في هجوم إسرائيل الأخير لولا أن طائراتها الهجومية لم تخترق المجال الجوي الإيراني واكتفت بقصف أهدافها من بعيد وهذا ما يمثل قوة ردع حقيقية استطاعت إيران من خلالها توجيه رسالة الرعب نحو قيادة العدو الصهيوني الذي يبدو أنه فهمها بمساعدة حلفائه وعلى رأسهم الولايات المتحدة.

بالمقابل يملك الكيان الصهيوني أهم وأقوى ورقة عسكرية مهيمنة وهي سلاح الجو وأسراب الطائرات الأمريكية الصنع مثل F15  و F16 وF35 القادرة على حمل أنوعا مختلفة من الصواريخ والقنابل التي تزن طنًا وأكثر من المتفجرات والمصممة لاختراق التحصينات والأنفاق حتى ٣٠ مترًا تحت الأرض مثل قنبلة MK84 الأمريكية الصنع القادرة على توجيه ضربات مدمرة للمنشآت النفطية والنووية في المواقع المحددة سلفًا، كما أن تزويد أمريكا مؤخرا الكيان بمنظومة الدفاع الجوي” ثاد”  وكذلك استعدادهم للمساعدة – في حال نشوب حرب مع إيران – في تدمير منشآت إيران السرية تحت الأرض بالقنابل الأشد تدميرًا في العالم مثل GBU57 و B-61 التي لا تحملها سوى القاذفة B-21 والتي يصعب كشفها ورصدها عبر الرادارات وتمتلكها فقط أمريكا، مما يجعل ذلك أيضا رادعًا لأي قوة قد تستهدف إسرائيل فضلًا عن الدعم العسكري الأمريكي الكامل جوًا وبحرًا ومعلوماتيًا الذي لولاه لسقط هذا الكيان الرخو منذ عقود.

هكذا إذن؛ تتشكل جزيئات المشهد في عالم تتسارع فيه القوى لإظهار إمكانياتها وأدواتها الردعية والتي تنفق عليها المليارات لتطويرها ليس بالضرورة لإشعال الحرب، بل لردع الآخر وثنيه عن العدوان، فكلا القوتين تتفاخران بصلابة قوة الردع لديها بحسب المواجهة الأخيرة مما يشي ببقاء المنطقة في حالة تأهب واستعداد لمواجهات أخرى يتم فيها اختبار قوة الردع والفيصل فيها التفوق العسكري النوعي والتحالفات الدولية.

المصدر
المسار - خاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى