رأي المسارمقالات الرأي

سميرة البيمانية تكتب: التمكين المشوه!

المسار | آراء الكتاب

سميرة بنت حمود البيمانية

ترشحت لعضوية مجلس الشورى في الفترتين السابعة والتاسعة للمجلس عن ولاية بهلاء.. عندما ترشحت لأول مرة لم أكن مدركة لفكرة المجلس والأعمال المنوطة به بصورة كاملة.. وبالرغم من ذلك حصلت على المركز الخامس من بين ٢٧ مرشحًا من الرجال ويعد ذلك مصدر اعتزاز لي. وكوني تربوية حتى النخاع، لم يكن الفكر السياسي يطرق برأسي كثيرًا، فأنا حارسة لمقاعد العلم والدراسة ومتشبثة جدًا بالمدارس. فمن وجهي نظري أن “المدارس حياة“ بالرغم من بعض الصعوبات والتحديات التي قد تشوب عملية التعليم إلا أن المدارس هي الحقل الوحيد الذي أراه “حي يرزق“، فهي “مصانع العقول“ و“مجسات المستقبل“. سأترك الحديث عن المدارس وانتقل بكم إلى التمكين.. في الفترة السابعة لاح مصطلح تمكين المرأة في الأفق، وأصبحت كلمة تمكين تنهال على أسماعنا من كل حدب وصوب.

(تمكين المؤسسة والأسرة والموظف والمجتمع والمرأة) وغيرها وأضحى المصطلح متداولًا بكثافة وبشكل يومي كتداول العملة الورقية!  وكما هو متعارف عليه في علم الإدارة فإن التمكين: عملية معنية بالأفراد لتنمية إمكانياتهم وقدراتهم، ولكن أكثر ما يثير الانتباه هو ما نراه في مجال التمكين من خلال إخضاع الفرد أو الموظف لدورة أو برنامج لخمسة أيام واستلام شهادة ورقية بنهاية البرنامج وبذا أصبح فردًا ممكّنًا!

ذات يوم استلمت خطابًا من منظمة المرأة العربية يشار فيه إلى أنني من النساء المؤثرات في المجتمع وأنه وجب أن يتم تمكيني كامرأة في المجال السياسي كوني قد ترشحت لعضوية مجلس الشورى مرتين..

طرت إلى رحلة التمكين في لبنان، كي يتم تمكيني سياسيًا ولكن التمكين لم يكن سوى مجرد برنامج وعدد من المحاضرين وشهادة تكريم ومأدبة عشاء ولقاء عدد من الشخصيات النسائية رفيعة المستوى في الجمهورية اللبنانية، ومن ثم العودة إلى أحضان الوطن كامرأة متمكنة سياسيًا! ومن ذلك الوقت لم تتواصل معي المنظمة ولم تتابع أعمالي ولم تسأل عني مطلقًا لأنها قد تظن أن التمكين السياسي قد أصبح يسري في دمي بسبب البرنامج الذي خضعت له! ولم تعد هناك حاجة لمتابعة تمكينهم.. ولا أعلم إذا كان ذلك ثقة مطلقة منهم بأن البرنامج يشكّل علامة فارقة في مشواري السياسي وأنني سأمارس طقوسهم السياسية التي تعلمتها مباشرة من البرنامج، أم أنه مجرد برنامج والسلام وأن خزعبلات التمكين قد انتهت بانتهاء البرنامج.

ولكن هل هذا هو التمكين الحقيقي؟

التمكين بأقوى وأبسط مفهوم له هو: “فن إعطاء الفرد القوة التي تمكنه من اتخاذ قرارات صحيحة“. لا أنكر هنا دور المعرفة والبرامج التدريبية ولكن الأهم من ذلك هو منح الفرد الثقة الكافية والقوة اللازمة ليكون قادرًا على اتخاذ القرارات وتحمل مسؤوليتها. علمًا بأن العديد من المؤسسات والمنظمات دوما ما تتغافل عن فكرة أن الفرد بإمكانه الحصول على المعرفة بكبسة زر، وأن المعارف والبرامج والدورات أصبحت متاحة (كالماء) ولكن غير المتاح كثيرًا هو الفكر المرن والفكر المتقدم الذي يمنح الثقة للآخرين في اتخاذ القرارات.

لذا نجد العديد من المؤسسات تدرّب الموظف بالشكل الجيد، والعديد من المنظمات المجتمعية تمنح المرأة الجرعة الكافية من التدريب ولكن اتخاذ القرار يعد ملكًا للمؤسسة والمسؤولين فيها، ويظل الفرد مجرد آلة ينفذ القرارات.. فكيف لنا أن نتمكن إن لم نمارس ما تدربنا عليه؟!

وأدهى ما في الأمر أن قلة من المسؤولين تجده ينادي بتمكين الفرد والموظف،ويشعل الفتيل بتمكين موظفيه ولكن حين يخطئ الموظف أو يزل يسحب منه كل الصلاحيات فهل هذا هو التمكين الذي ننشده؟  

لا يوجد تمكين منزه من الأخطاء فكيف لنا أن نتمكن دون أن نخطئ؟!وكيف لنا أن نصبح ممكّنين دون أن نمارس أدوارنا بكل ما فيها من صعوبات وتحديات ونجاحات أيضا؟!

وكيف للتمكين أن يصبح فاعلًا وعقلية بعض أو قلة من المسؤولين تمنعك من ممارسة أدوارك وتقف حائلًا دون كل قرار تتخذه والحجة جاهزة دوماً: الخوف على الموظف وعلى المؤسسة من المردود السلبي في حالة الإخفاق !

لن نتمكن إن كان قلة من أصحاب القلم من المسؤولين يرفضون جوهر التمكين وحقيقته وفي المقابل يشعرون بالزهو وهم يرددون كلمة التمكين في خطاباتهم لتضاف إلى سجل المصطلحات الدارجة لكل فترة زمنية!

والخلاص:”لن نتمكّن إن لم نمكّن“.

المصدر
المسار-خاص

‫2 تعليقات

  1. المقال الذي كتبته سميرة البيمانية يعبر عن رؤية نقدية حول مفهوم “التمكين”، حيث تركز على ما تسميه “التمكين المشوه”، معتبرةً أن عمليات التمكين الحالية في المؤسسات والمنظمات تفتقر إلى العمق الحقيقي. توضح الكاتبة تجربتها الخاصة في برامج التمكين، والتي تصفها بأنها سطحية ومحدودة بشهادات وبرامج قصيرة دون متابعة فعلية لتطوير قدرات الشخص وتهيئته ليصبح مؤثرًا فعليًا في مجاله.

    تشير الكاتبة إلى أن التمكين يجب أن يكون قائمًا على منح الأفراد القدرة الحقيقية على اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية، وأنه لا يمكن تحقيق التمكين الحقيقي من دون الأخذ بمخاطر الخطأ والتعلم منه. وتنتقد في المقال تلك الهيئات التي تدرب الأفراد ظاهريًا، لكن تمنعهم من ممارسة ما تعلموه فعليًا بسبب الخوف من النتائج السلبية، مما يجعل الموظف “مُدربًا ولكن غير ممكن.

    وجهة نظر شخصية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى