ظاهرة العزوف عن الزواج تتمدد في أوساط الشباب العُماني
شباب يحجمون عن دخول القفص الذهبي خوفا من غول المهور!

- المظاهر الاجتماعية أسهمت في الحد من الإقبال على الزواج
- المغالاة في المهور والكماليات من أسباب العزوف عن الزواج
- التخطيط المالي السليم مدخل صحيح لبداية حياة زوجية مستقرة
- مقارنة الشاب نفسه بغيره يرفع سقف التوقعات
- بعض الشباب يتخوفون من تكرار تجارب أسرية سلبية
- انعدام الثقة بالنفس يجعل فكرة الزواج تبدو عبئًا ثقيلًا
المسار | استطلاع سارة الرحبية
العزوف عن الزواج ظاهرة عرفتها العديد من المجتمعات في مختلف الدول، ومن بينها سلطنة عُمان. وهي ظاهرة ناتجة عن جملة من الأسباب – وفقًا لآراء المختصين- تتداخل ما بين المادية والنفسية والثقافية.
والمجتمع العُماني ومن واقع تأثره بالعالم من حوله في الجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فإن هذا الأمر ألقى بظلاله على العديد من القيم والعادات التي نشأ عليها أفراده، ومن ذلك ظاهرة العزوف عن الزواج التي بدأت حديثًا تظهر في أوساط الشباب والشابات.
“المسار” وعبر هذا الاستطلاع تحاول استقصاء أسباب العزوف عن الزواج في مجتمعنا من خلال رصد آراء عدد من المختصين والمعنيين من الشباب العُماني.
غلاء المهور
تقول أحلام خليفة – أم وصاحبة كتاب طفلي الأول -: أرى أن المظاهر الاجتماعية قد أثرت بشكل كبير وأسهمت في الحد من إقبال الشباب على الزواج، حيث بات الشاب يتخوف من الإقدام على الزواج خشية من المتطلبات المالية الباهظة المترتبة عليه في ظل ما تروجه مواقع التواصل الاجتماعي وما تنشره من مظاهر جديدة منها المنافسة في حفلات الزواج والخطوبة ، مما يجعل الشاب في حيرة من أمره وهو يقارن بين هذا الواقع من الصرف البذخي، وبين إمكانياته المحدودة التي لا تسمح له بمثل هذا الصرف، لذا يضطر إلى صرف النظر عن موضوع الزواج أو على الأقل إرجاء التفكير فيه.
في الجانب الآخر نجد الفتاة تتطلع للزواج من شخص مقتدر ماديا وقادر على الصرف على الزواج بما يواكب المظهر الاجتماعي. الأمر الذي يسهم في زيادة نسبة العنوسة في المجتمع.
وتضيف: إن السعي خلف الكماليات والصرف البذخي جعل أهل الفتيات يغالون في طلب المهور لتصل إلى أكثر من تسعة آلاف ريال عُماني بالإضافة إلى متطلبات أخرى بجانب المهر. هذا بدوره يشكل ضغطًا على المقبلين على الزواج. لذلك من الأجدى للفتاة أنه لو وجد الشخص المناسب والرجل الكفوء عليها أن تنظر بعين الاعتبار وتفكر جديًا لأخذ الخطوة المناسبة، فلا بد أن الحياة الكريمة ستتوفر للطرفين ما دام هناك سعي من أجل الحصول عليها.
من جانبه يقول عامر – باحث عن عمل: إن ارتفاع أسعار المستلزمات الحياتية أدى إلى غلاء المهور وبالتالي العزوف عن الزواج، حيث إن الشاب وهو في مقتبل العمر وبداية الحياة العملية يكون لديه راتب متوسط أو أقل من المتوسط وهو لا يكفي لمقابلة مصاريف الزواج الباهظة، خاصة أن بعض الأهالي يبالغون في تقدير المهور ومتطلبات الزواج الأخرى.
التخطيط المالي السليم
وتقول بسمة الناصري – مهندسة ومدربة معتمدة في التطوير الشخصي والمالي – هناك نقاط مهمة يجب أن يأخذها المقبلون على الزواج في الاعتبار منها أولا : تحديد الأولويات: من المهم أن نعرف الفرق بين الضروري والكمالي، ونبني البداية على الاحتياجات الأساسية فقط. ثانيا: وضع ميزانية واضحة من حيث تقسيم الدخل المتاح للمصاريف الأهم مثل السكن والمستلزمات الأساسية، وتجنب الاستدانة. وهنا يمكن الاعتماد على خطة تقسيم الدخل والتي تتمثل في التالي: تخصيص 55% للالتزامات الأساسية، و10% تكون للاستثمار التعليمي (كان مالي أو تطوير المهارات أو الوظيفي )، و10% تكون للاستثمار في الاستثمارات طويلة المدى أو قصيرة المدى، و 10% تكون للخصوم مثل السيارة أو أثاث المنزل، و10% للترفيه والمتعة و5% للمجتمع والمساعدة “ما نقص مالاً من صدقة”.
ثالثا: الحوار بين الطرفين، لأن الشفافية في التوقعات والرؤية المالية تخفف كثيرًا من الضغوط لاحقًا. وأخيرًا تقليل الالتزامات الشهرية الثابتة بقدر الإمكان، والبدء بخطوات بسيطة يمكن تحمّلها. الحل لهذه المصاريف الطائلة والمتعبة هو التقسيم المالي الصحيح لمثل هذه المراحل الحياتية.
رفع سقف التوقعات
قد يحجم البعض عن الزواج أو يؤخر قرار بناء أسرة، لأسباب تعود إلى الحرص على بناء نفسه ومحاولة الحصول على عدد أكبر من الشهادات وتحقيق الإنجازات على الصعيدين المهني والوظيفي، وقد ينظر إلى الزواج كعائق يمنعه من الوصول لأهدافه.
يقول دكتور عزيز النعماني- أخصائي أول الطب النفسي في مركز القمة للرعاية الطبية – ظاهرة عزوف الشباب عن الزواج موجودة في المجتمع العُماني كما هي في كثير من المجتمعات، لكنها في السنوات الأخيرة أصبحت أكثر وضوحًا. هناك عوامل اقتصادية أساسية مثل ارتفاع تكاليف المعيشة ومصاريف الزواج، إلى جانب الضغوط الوظيفية أو البطالة. كذلك؛ أصبحت التطلعات الشخصية أكبر، والشاب اليوم يقارن نفسه بغيره على وسائل التواصل الاجتماعي مما يرفع سقف التوقعات. بعضهم يخشى الالتزام طويل المدى أو يشعر بعدم الجاهزية العاطفية والنفسية. أما اجتماعيًا، ضعف العلاقات الأسرية، وتأخر الاستقلال المادي، وانتشار نمط الحياة الفردي كلها تقلل من الرغبة في الزواج.
وهنا تضيف أحلام خليفة: من وجهة نظري، أرى أن تكوين العائلة شيء أساسي بالنسبة للشاب والشابة، ومهما حقق الإنسان من إنجازات فلا شيء يضاهي العائلة ويوازيها ويوازي كفتها ، وقد ينطوي الزواج على جانب من تحمل المسؤولية، ولكنه ليس بتلك الصعوبة التي قد يتخيلها البعض. فاليوم؛ -كما نرى- كل شيء متيسر حولنا من متطلبات واحتياجات، خاصةً فيما يتعلق بجانب تربية الأبناء. أما بالنسبة لخوف البنات من تغيير نمط الحياة التي اعتدنها في منزل الوالدين، فأرى أنها سنة الحياة، وأن الزواج جانب مشرق وجميل من الحياة ولو تبعه حمل وولادة فهو دور المرأة وفطرتها، فستظل تبحث عن هذا الجانب مهما كان، ولا أشعر بأن الزواج وتربية الأطفال عائق أمام الإنجازات والنجاحات بل قد يكون دافع للنجاح.
وتستطرد: من المهم تعزيز التوعية حول أهمية الزواج وبناء الأسرة، ومراعاة الشباب بعدم فرض متطلبات مالية طائلة عليهم، وذلك من خلال منابر المساجد في خطب الجمعة وغيرها من المناسبات الدينية التي يجب استغلالها لتوعية الشباب وأولياء الأمور. كما تقوم الوسائل الإعلامية أيضا بدور حيوي من خلال البرامج وخصوصًا البرامج الدينية القريبة إلى الناس والتي توضح لهم الأمور ببساطة وبطريقة مقنعة. كل هذه الطرق من شأنها أن تقنع الناس وتغير بعض المفاهيم الخاطئة حيال القضايا المجتمعية.
تصحيح المفاهيم الخاطئة
ويشكّل الجانب النفسي جزءًا كبيرًا من مشكلة العزوف عن الزواج، وفي هذا الصدد يقول دكتور عزيز النعماني: من الناحية النفسية، هناك شباب يعانون من القلق من الفشل أو الخوف من تكرار تجارب أسرية سلبية شهدوها في طفولتهم. إن انعدام الثقة بالنفس وعدم الاستقرار النفسي قد يجعل فكرة الزواج تبدو عبئًا بدل أن تكون مصدر دعم.
ويضيف: وهنا يمكن للمراكز المختصة – مثل مركز القمة للرعاية الطبية- أن تقدم دعمًا كبيرًا عبر الاستشارات النفسية قبل الزواج، وورش العمل التي تعزز مهارات التواصل، وفهم طبيعة الحياة الزوجية. هذه البرامج تساعد الشباب على تصحيح المفاهيم الخاطئة، والتغلب على المخاوف النفسية، والتخطيط لزواج مستقر. لاحظنا في مركز القمة أن الإقبال على الاستشارات الفردية المرتبطة بالاستعداد النفسي للزواج في تزايد، خاصة من الفئة العمرية بين 25 و35 عامًا. كما أن برامجنا التوعوية وورش العمل الأسرية تلقى اهتمامًا جيدًا، إذ يجد فيها الشباب فرصة آمنة لطرح مخاوفهم، والحصول على نصائح عملية مبنية على أسس علمية ونفسية.
تأثير العلاقات الأسرية
وفي ذات السياق تقول إيمان الحوسنية – مدربة وكوتش معتمدة -: إن علاقة الوالدين مع الأبناء لها التأثير الأكبر الذي قد يمتد مدى الحياة؛ إذ إن أول رابطة للإنسان تتجذر في لاوعيه وتترك أعمق الأثر. وتساهم العائلة، سواء من خلال طبيعة العلاقة بين الأب والأم أو علاقتهما بأبنائهما، في تشكيل داخلي خطير عبر اللغة المستخدمة داخل الأسرة، والمقارنات بين الإخوة والأخوات، والإهمال العاطفي، أو العنف العاطفي والجسدي معًا. كل ذلك ينعكس على هوية الفرد الداخلية ويخلق تفسيرات ذهنية كثيرة، غالبًا ما تكون غير موضوعية، متحيزة، أو مبالغًا فيها. وحتى وإن حمل كثير منها بعض الصحة، فإن ربط نفس الإنسان بهذه القصص الذهنية والتفسيرات الأسرية يجعله ينظر إلى ذاته والعالم من خلال عدسة مشوهة. ويبدأ الإنسان في الاستيقاظ حين يدرك أنه الوعي المراقب لهذه القصص والتفسيرات الذهنية، وأنه ليس هذه القصص ذاتها، بل هي مجرد جزء مشوه من حقيقته الداخلية الواسعة.
وتضيف: أيضا إن علاقة الإنسان بوالديه تؤثر على نوعية العلاقات التي يختارها لاحقًا، وعلى تجاربه المهنية وصحته وإنجازاته. ولا نبالغ إن قلنا إنها قد تمتد أحيانًا لتشمل نطاقات أوسع من حياته بأسرها.
وتستطرد إيمان الحوسنية: حين يعي الإنسان أنه ليس مجرد قصص ذهنية صنعها وكتبها في عقله، فإنه يبدأ الخطوة الأولى ليكون حرًّا من أسر التأثير الخارجي. تلي ذلك مواجهة داخلية حتمية، وهي الاعتراف الصادق بما يشعر به، وما شعر به، وما مرّ به، بعيدًا عن حِيَل الهروب النفسية كالإنكار والتبرير والإسقاط وغيرها، والعمل على فهم ما جرى له، لا على إلغائه أو كبته. فالكبت والإلغاء يؤديان إلى نتائج عكسية، كحدوث انفجارات من الغضب والحزن والكآبة وغيرها. وكما يقول يونغ: “نحن لا نشفى بتخيّل أشكال النور، بل بجعل اللاوعي واعيًا”.