حواراتقضايا المسار

حوار المسار:

شيخة السعدية.. نموذج مشرف للمرأة التي واجهت المجتمع ونجحت في بلوغ أهدافها

المجتمع كان رافضا لتعليم الفتيات.. وجلالة السلطان منح المرأة ما لم تحصل عليه من قبل

15 عاما من العمل في القطاع الخاص بكفاح ومثابرة

وضع خطة سنوية والالتزام بتنفيذها.. من أبرز عوامل ترتيب الأولويات

مسؤولية الأم عن تنشئة الأجيال لا تتعارض مع عملها

دور رائد للمرأة العمانية في نهضة وتطور المجتمع

“17 أكتوبر” تشريف من جلالة السلطان لكل نساء عُمان

 

حوار المسار – سارى البلوشية

متنوعة هي قصص النجاح التي يسطر أمجادها أناس عاديون، لا يتمتعون بقوى خارقة، لكنهم فقط تحلوا بالإرادة والإصرار على بلوغ الهدف، مهما كلف الأمر من مشقة وجهد.. وتتساوى النساء في ذلك مع الرجال، بل في بعض الأحيان تكون النساء أكثر حرصا على تحقيق طموحاتهن.. واحدة من النساء اللائي نجحن في رسم خريطة النجاح وبلوغ قمة الطموح، شيخة السعدية، من مواليد فجر النهضة المباركة بدأت رحلة كفاحها وهي بنت ثلاثة عشر ربيعا.. رحلة استهلتها بالزواج بعد إكمال المرحلة الابتدائية وتحديدا في الصف السادس، ما لبثت أن توقفت عن الدراسة بسبب الزواج ومهام العناية بالأسرة وذلك في عام 1984.

في يوم المرأة العمانية، السعدية تحدثت إلى “المسار”، لتروي لبنات اليوم ونساء جيلها قدر التحديات التي واجهتها طيلة ما يقرب من خمسة عقود..

في البداية تقول: “كان المجتمع في مرحلة الصغر لا يزال يعارض ذهاب الفتاة إلى المدرسة، إذ كانوا يعتقدون أن المرأة محلها المنزل، تعتني بصغارها وزوجها، فيما اعتبر البعض الذهاب إلى المدرسة عار على الفتاة!!”.

لا تراجع ولا استسلام

لكن السعدية تؤكد أنها لم تستسلم؛ حيث واصلت تعليمهها في عام 1990م في مركز تعليم الكبار، إيمانا منها بأن واجب كل مواطن ومواطنة ترك أثر له يفيد نفسه والآخرين في المجتمع. وتوضح: “كنت أدرسُ سنة وأتوقف لسنوات، لكي أحافظ على بيتي وأقوم بمسؤولياتي كأم وزوجة، وبفضل الله نجحت في مواجهة المجتمع والظروف، وأنهيت دراستي الثانوية (تعليم كبار) عام 2001م”. وتضيف السعدية قائلة: “التحقت بعدها بالمعهد العربي في ولاية السويق، وحصلتُ على عدة دورات؛ أهمها الإدارة والكمبيوتر ومدتها تسعة أشهر، وبعدها حصلت على شهادة المعهد وبدأت بتوزيع سيرتي الذاتية في كل المدارس الخاصة في ولاية السويق، إضافة الى الولايات القريبة مني، فقد كنت أطمح كثيرا أن أكون امرأة مستقلة بذاتها، وعملتُ على ذلك، والحمدلله بعد بحث مطول حصلت على وظيفة إدارية في مدرسة خاصة بولاية المصنعة، وكان الراتب آنذاك 80 ريالا، إضافة إلى تقديم حصة كل أسبوع لتعليم وتدريب الطلاب على الحاسب الآلي، وظللت أعمل بهذه المدرسة من 2002 إلى 2008”. وهنا تذكر السعدية تحديا آخر واجهته خلال سنوات عملها في المدرسة، فقد واجهت لوما وعتابا من المجتمع، إذ كيف تعمل عملين في مكان واحد براتب ضعيف، لكنها تجاوزت ذلك بالإصرار. وتمضي السعدية قائلة: “بعد ذلك حصلتُ على فرصة في مدرسة أخرى بوظيفة مُدخل بيانات في البوابة التعليمية في عام 2009 ومكثت فيها حتى عام 2012م، لكنني لم أستطع الاستمرار بالعمل فيها بسبب الظروف التي أجبرتني على الانتقال إلى مسقط، وعندها استقلت من المدرسة.

وتروي السعدية بعد ذلك أنها بدأت رحلة البحث عن وظيفة في مسقط عن طريق وزارة القوى العاملة، فتقول: “نجحت في العمل بإحدى شركات القطاع الخاص بوظيفة مُدخل بيانات عام 2014م، ولا تزال في هذه الشركة بقسم الموارد البشرية”.

وتشير السعدية إلى أن مسيرتها المهنية في القطاع الخاص تمتد حاليا إلى 15 سنة، وقبلها عملت في مجال خياطة الملابس التقليدية قبل إكمال دراستها، وقد استمرت هذه الهواية معها أثناء الدراسة، ولا تزال حتى الآن تمارسها في أوقات الفراغ.

انتسبت السعدية بعد ذلك بشركة فور إيفر عام 2016 عن طريق ما يعرف بـ”التسوق الشبكي”، بتسجيل موزع جديد، والآن تشغل منصب مدير معتمد من الشركة، وتقول إنها اتخذت “الحياة كفاح” شعارا لها وعلمته لأبناءها لتصبح على ما هي عليه اليوم، وليجعلوا لهم هدفا واضحا ليصلوا إليه.

صعوبات وعثرات

مسيرة الكفاح الطويلة التي خاضتها السعدية، لم تمنعها من مواجهة صعوبات وعثرات حاولت قدر استطاعتها أن تتجاوزها، فتقول: “كل إنسان يمر بصعوبات وعثرات، ولعل أبرز الصعوبات التي واجهتها هي صعوبة الموازنة بين تربية الأبناء والرغبة في النجاح بالعمل لكنني تغلبت على ذلك، بتنظيم الوقت وترتيب الأولويات، وتغلبتُ على كل ذلك بالكفاح والإصرار والإرادة”. وتضيف السعدية أنها كانت ولا تزال تحرص على وضع خطة عمل سنوية، ومن ثم تقوم بتوزيعها على الأشهر والأسابيع والأيام، وبعدها تكتب الأهداف التي تريد تحقيقها.

وبالحديث عن أبنائها، تقول السعدية: “كنت أستودعهم مع أمي التي لها الفضل الكبير في تربيتهم، بجانب حرصي على ترتيب الأولويات والموازنة قدر المستطاع بين العمل والمنزل”.

وتؤكد السعدية أن حرصها على النجاح والتميز كان نابعا من إيمانها التام بأن عليها رسالة ينبغي أن تؤديها بحق المجتمع، ألا وهي أن تكون امرأة منتجة، بجانب كونها أم مربية لأجيال من الشباب الذي سيخدم الوطن بسواعده الفتية، وهو ما ساعدها على تجاوز جميع المصاعب، وباتت تتمتع بالقوة والثبات من أجل موصلة الكفاح في الحياة، إضافة إلى رغبتها في القضاء على الأمية نهائيا بالسلطنة، ومشاركة الرجل في الارتقاء بالوطن نحو الأفضل.

دور بارز للمرأة

وتمتدح شيخة السعدية الدور البازر الذي تسهم به المرأة العمانية في نهضة المجتمع وتقدمه، مشيرة إلى خير شاهد على ذلك وهو المناصب العليا التي تتبوأها المرأة، إضافة إلى إسهاماتها المتعددة في مجالات شتى.

وتعليقا على ما تواجهه أي امرأة من اعتراضات ونظرات سلبية من المجتمع، قائلة إنها استطاعت مواجهة ذلك بقوة الإرادة والتركيز على أهدافها في الحياة والسعي المستمر لتحقيق حلمها. واعتبرت السعدية جميع الاعتراضات والكلمات السلبية التي تلقتها مجرد تحدٍ ضمن جملة من التحديات التي تواجهها من حين لآخر.

وتضيف السعدية بالقول: “هناك الكثير من الاعتراضات، لكن لابد من علاجها بطريقة دبلوماسية مع التحلي بالصبر والوقوف على قدم صلبة في مواجهة رياح الانتقاد”. وتزيد أن من يقول إن المرأة يجب أن تبقى في بيتها وتربي أولادها دون اهتمام لدراسة أو عمل، إنما ينقصه الوعي التام بأهمية دور المرأة في المجتمع والأثر الإيجابي العظيم للجانب العلمي والعملي في تنمية الأجيال التي ستسهم في بناء الوطن مستقبلا.

آلية الموازنة

وتتحدث السعدية عن آلية الموازنة بين البيت والدراسة والعمل، فتقول إن العنصر الأهم في هذه المسألة يتحقق عبر تنظيم الوقت وترتيب الأولويات، مشيرة إلى أنه ليس من السهل الموازنة بين البيت والعمل والدراسة، بل ثمة تحدٍ كبير في ذلك، غير أن الإصرار على النجاح يساعد في التغلب عليه.

وتعتبر السعدية تخصيص يوم للمرأة العمانية بمثابة تشريف ودافع كبير لتحقيق ما تأمل فيه كل امرأة، لاسيما وأن هذا اليوم جاء بفضل توجيهات حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم- أمد الله في عمره- تقديرا لما قدمته المرأة طوال مسيرة النهضة المباركة، مؤكدة أن كل عطاء من صاحب الجلالة هو محل فخر واعتزاز.

وتفخر السعدية بكل من وقف بجانبها ومنحها الدعم والتحفيز، وتتوجه بالشكر إلى الله على ما أنعم به عليها، وتقول إن زوجها كان من أشد الداعمين لها، وكذلك أبنائها وإخوتها وأخواتها، معربة عن تقديرها لجميع أفراد أسرتها على كل الدعم الذي قدموه لها.

ولا تجد السعدية سقفا لطموحاتها، معتبرة أن الطموح يعني لها الشغف وحب الحياة، ولذا تأمل أن تكون على قدر المسؤولية والثقة التي منحها لها صاحب الجلالة السلطان المعظم- حفظه الله ورعاه-.

وتوجه السعدية رسالة لكل نساء عمان في يومهن الأغر فتقول: “كل امرأة ناجحة بشرط أن تكافح وتجتاز جميع العقبات وأن تخطو خطى ثابتة ومدروسة إلى الأمام، وأن لا تتسرع في قراراتها إلا بعد أن تضع يديها على الصواب… ووصيتي لكل امرأة، افرحي بنفسك وبكل ما تحققينه في حياتك ولو كان بسيطًا؛ بصحتك، بمحبة الناس لك، بأمانك في منزلك، انظري لكل النقاط الجميلة في حياتك ولو كانت قليلة، واشكري الله على كل شيء”.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: