عادل الكاسبي يكتب: العلاقات العُمانية – الجزائرية: تطلعات مستقبلية
المسار | آراء الكُتاب
عادل الكاسبي

لطالما جمعت سلطنة عُمان والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية علاقات متينة قامت على أسس من الاحترام المتبادل والتعاون المثمر. ورغم المسافة الجغرافية بين البلدين، إلا أن الروابط السياسية والثقافية والاقتصادية كانت ولا تزال تتسم بالعمق والدفء، مما أرسى دعائم علاقة نموذجية في العالم العربي. وفي تأكيد على قوة هذه العلاقة، جاءت زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى سلطنة عُمان، حيث استقبله جلالة السلطان هيثم بن طارق بكل حفاوة وترحيب، لتكون تتويجاً لعقود من التعاون والإخاء، ولترسم ملامح مستقبل زاهر للشراكة بين البلدين.
تعود العلاقات بين عُمان والجزائر إلى بدايات حركة التحرر العربية في القرن العشرين، حيث كانت عُمان داعمة لقضايا التحرر، ووقفت بجانب الجزائر في نضالها ضد الاستعمار الفرنسي. كما دعمت عُمان الجزائر خلال ثورة التحرير (1954-1962) وأيدت كفاح الشعب الجزائري حتى نال استقلاله.
ومنذ ذلك الحين، واصلت الدولتان توثيق العلاقات بينهما عبر تبادل الزيارات الدبلوماسية، والالتزام بتعزيز التعاون في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية. وتطورت العلاقات بشكلٍ ملحوظ بعد تأسيس مجلس التعاون الخليجي في الثمانينات، حيث شهدت الحقبة تعزيز التنسيق بين عُمان والدول العربية الأخرى، ومنها الجزائر، في قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي، وتنسيق المواقف على المستوى الدولي.
وفي الآونة الأخيرة، ازداد التركيز بين عُمان والجزائر على تعزيز التعاون الاقتصادي، إدراكاً منهما للإمكانيات الهائلة التي يتمتع بها كلا البلدين. وتأتي الزيارة الأخيرة كتأكيد على ضرورة توسعة التبادل التجاري، الذي يُعد حتى الآن محدوداً نسبياً، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 44 مليون دولار فقط في عام 2022. ورغم أن هذا الرقم يُعتبر متواضعاً بالمقارنة مع إمكانيات البلدين، إلا أنه يعكس قاعدة يمكن البناء عليها لتطوير شراكات اقتصادية أكبر في المستقبل.
إضافةً إلى ذلك، فإن الحكومتين تسعيان إلى استقطاب الاستثمارات المباشرة من خلال تحفيز القطاع الخاص ومنح تسهيلات للمستثمرين، سواءً في قطاع الصناعة أو السياحة أو الطاقة. وتعتبر الجزائر من أكبر الدول المصدرة للنفط والغاز في أفريقيا، ما يفتح المجال أمام الشركات العُمانية للاستثمار في هذا القطاع الحيوي، بينما يمكن للشركات الجزائرية الاستفادة من النمو المستدام للاقتصاد العُماني الذي يعتمد على التنويع الاقتصادي ومشاريع البنية التحتية الضخمة.
من المؤكد أن طموحات السلطان هيثم بن طارق حفظه الله والرئيس عبد المجيد تبون، لا تقتصر على الاقتصاد فقط؛ بل على أهمية التعاون في مجالات الثقافة والتعليم والصحة، حيث تهدف عُمان والجزائر إلى تبادل الخبرات والمعرفة في مجالات البحث العلمي وتطوير التعليم، خصوصاً مع تزايد أهمية هذه القطاعات في بناء اقتصاد معرفي متطور.
وبكل تأكيد سيكون هناك تعاون بين الجانبين في مجالات الأمن والتنسيق السياسي، لمواجهة التحديات المشتركة التي تهدد الاستقرار الإقليمي، مثل التطرف والإرهاب والجريمة العابرة للحدود. وقد شهدت العلاقات بين عُمان والجزائر تعاوناً ملحوظاً في المنتديات الإقليمية والدولية، حيث يسعى البلدان دائماً إلى التوصل لمواقف موحدة تجاه القضايا الدولية، مثل القضية الفلسطينية، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.
وتتجاوز العلاقات بين عُمان والجزائر الأبعاد الاقتصادية والسياسية، حيث تجمع الشعبين روابط ثقافية واجتماعية متينة. وتمتاز كلا الدولتين بتراث ثقافي غني وحضارة عريقة، وقد شهدت السنوات الماضية تنظيم العديد من الفعاليات الثقافية التي تجمع الفنانين والمثقفين من البلدين، بهدف تعزيز التبادل الثقافي والفني. وتسعى الحكومتان إلى تطوير العلاقات الشعبية بين شعبي البلدين عبر فعاليات ثقافية وأدبية تعكس غنى الموروث الشعبي لكل منهما، وهو ما من شأنه ترسيخ الأخوة والتقارب بين الأجيال الشابة.
ختاما، للعلاقات الثنائية الناجحة التي تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون البنّاء. ومع الطموحات الكبيرة التي يحملها السلطان هيثم بن طارق والرئيس عبد المجيد تبون، يُتوقع أن تشهد السنوات القادمة قفزات نوعية في مستوى التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي بين البلدين. ويأتي التوجه نحو تعزيز الاستثمارات والتبادل التجاري كتتويج للعلاقة الوطيدة بين عُمان والجزائر، وخطوة نحو تحقيق مزيد من الازدهار لشعبي البلدين.