آراء الكتاب
أخر الأخبار

عذراء حمود تكتب لـ المسار: التطرف والتقدم

المسار    |  آراء الكُتاب 

عذراء حمود

لا شيء يعيق تقدم الإنسان والأمم مثلما يفعل التطرف، فلا قيمة للعلم والإيمان والحرية مع وجود التطرف لأنه يقود إلى هدم المبادئ والقيم الإنسانية، فالإنسان المتطرف كما يُعرِّفه علماء النفس هو من يحيا أسيرًا للشعور بالتفوق أو الشعور بالاضطهاد. والتطرف في حقيقته هو تلك الحالة الشعورية الجامدة التي تتشكل بمزيج من الشعور بالتفوق والاضطهاد لأسباب دينية أو تاريخية أو مجتمعية أو نفسية.

التطرف لا يعبر عن وجوده إلا من خلال هدم قيمة الآخر وإقصاءه، ولا يمكن للمتطرف أن يشعر بوجوده إلا بالتشفي من الآخر المختلف عنه. كما أن التطرف مقترن دائمًا بغياب الوعي للحالة اللاشعورية والانفعالية التي تسيطر على الإنسان. فلن تجد إنسانًا يعتني ويهتم بتأمل الحالة اللاشعورية لنفسه وللعالم يعاني من مشكل التطرف.

اليوم وفي كل مكان وفي كل مشهد نجد أن حالة التطرف هي السائدة، هي من ينتصر، هي من يطفو على السطح، وهي من يحلق عاليًا ويلوح ويصفق لها الجميع بإعجاب وامتنان. هل شقاء إنسان هذا العصر في أنه يصنع من الأباطيل أمجادًا في حين أنه يطفىء في الوقت ذاته كل أنوار القيم والمعاني السامية؟ وذلك لأنها تعيقه من الغرق في وهم المعرفة والعظمة الذي يمنحه شعورًا سريعًا ودائمًا بالانتشاء دون الحاجة للشعور بألم الوعي والمشقة التي يفرضها الالتزام بالقانون الأخلاقي، والبحث والعطاء وقبول الآخر.

هناك دائمًا بون شاسع بين ما يتمناه المرء وما يدركه، وما يكونه فعلا. عندما ندعو لقبول الآخر في حين أننا لا نجد طريقًا للاختلاف مع الآخر إلا بإقصاءه أو فرض الوصاية الفكرية عليه أو محاربته فنحن هنا نعيش أزمة حقيقية وهي هدم القيم الأخلاقية التي ندعيّ أننا نتمسك بها ونمارسها ونؤمن بها. كل هذه الممارسات تحول دون تقدم الإنسان على جميع المستويات. فعلى المرء دائمًا أن يدرك أكثر مما يدّعي حتى يصل حقيقة لممارسة ما يؤمن. لأن الإيمان الحقيقي هو ما يظهر في ردود أفعال الإنسان أكثر مما يظهر في أفعاله وأقواله، لأن ردود الفعل غالباً هي من يُظهر مدى التزامنا بما نؤمن به.

 كل إنسان عظيم عبر التاريخ هو إنسان تحمل أشد وأقسى أنواع الأذى والإقصاء، وعَبَرَ الحياة دون أن يؤذي ويقصي أحدًا، هو من جعل البشر يشعرون بقيمة اختلافهم وأنفسهم بوجودهم حوله، وهو من كان يعبر عن إيمانه من خلال ردود أفعاله إتجاه الآخر المختلف وليس من خلال فرض مبادئه وأفكاره بالقهر أو العنف أو الإقصاء فكل مؤمن يدرك أن مبادئه ستشرق بمدى إيمانه بها والتزامه بالقيم الأخلاقية ومنها عدم فرض مبادئه ومعتقداته على من يختلف معه، فحقيقة إيمان الناس به نابعة من ردود أفعاله على من كان يختلف معه ويسيء له، فتلك الردود هي من عبرت عن عمق إيمانه بمبادئه وعن صدق ونبل رسالته. فليس كمثل ردود الفعل وقبول الآخر ما يعبر عن حقيقة الإيمان ونبل الإنسان.

وكل مجتمع عظيم ومتقدم حقيقةً هو من يؤمن بثقافة الحوار والاختلاف ودورها  في تطور الفكر الإنساني وخلق حضارة عظيمة ومجتمع متقدم ومتوازن، فالاختلاف والتعدد حتمي والتعامل معه بالحوار ضرورة محلّة، فكل الأفكار العظيمة كانت نتيجة للإلهام الذي ينبع من الحوار بين أفكار مختلفة، فكل مختلف هو كينونة متفردة تخلق توازنًا في هذا العالم، وتقبله لا يعني التسليم بأفكاره وإنما هو إيمان بأن إيقاع الكون يختل إذا ما أردنا أن نحقق الاتحاد والتطابق المطلق، وإن للمختلف دور وهو إلهامنا لما هو أعمق على المستوى الفكري والوجداني، فلا يمكن للفكر والوجدان أن يصل للعمق والتطور دون التفاعل الإيجابي مع نقيضه، فالمجتمع العظيم هو من يسعى لنشر ثقافة الوعي بضرورة الاختلاف و العمل على تطوير فن الحوار والاختلاف بما يتوافق مع القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية.

المصدر
المسار

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: