آراء الكتاب

عذراء حمود تكتب للمسار: التجمع السلمي للباحثين عن عمل في عُمان بين الواقع والمأمول

المسار    |   آراء الكُتاب

عذراء حمود

التجمع السلمي للباحثين عن عمل في عُمان بين الواقع والمأمول

قبل أيام شهدت عُمان احتجاجات سلمية للباحثين عن عمل والمسرحين من أعمالهم في مختلف ولاياتها، وانتهت بمراسيم سلطانية لتوفير فرص عمل بنظام العمل الكامل والمؤقت لهؤلاء الشباب، وكذلك وفرت لهم الدعم المادي من خلال صرف المعونات الشهرية.

وكما هو معروف فإن حق التجمع السلمي وحرية التعبير حق أصيل للإنسان في القانون العُماني دون الإخلال بالأمن والنظام، وشأن عُمان في ذلك شأن كثير من دول العالم. ولكن السؤال الذي أثارته الأحداث الأخيرة هو: هل هناك تطور في تعامل السلطة مع هذا الحق وفي إدارة تعاملها مع التجمعات السلمية؟ فكما هو معروف أن هذا الحدث سبق وأن جرى في عام 2011، وأيضاً بدأ بخروج الباحثين عن عمل والمسرحين من أعمالهم.

الواقع أن المتأمل للمشهد سيجد أن هناك تطوراً كبيراً جداً في إدارته مقارنة بأحداث 2011، وذلك من عدة نواحي، أولها عدم التأخر في الاستجابة للمطالب، وثانيها طريقة التعامل الأمني. فقد شهدنا تعاملاً أمنياً متحضر جداً من السلطة مع التجمعات في يومها الثاني. أما الناحية الثالثة فهي خروج مسؤولين للحديث مع الشباب بشكل سريع، حيث كان لهم دور كبير في التهدئة.

إن هذه الجوانب الثلاثة في مشهد تجمعات 2021 عندما نقارنها بردة الفعل الأولى للسلطة على تجمعات 2011 يتضح لنا مدى اتساع مساحة حرية التعبير في العهد الجديد، وهذا أمرٌ يستحق التقدير والثناء، وقد تأتى بفضل سياسة السلطان هيثم بن طارق وتوجهه لتعزيز الحريات المدنية. ورغم انحراف مسار بعض التجمعات السلمية والفوضى التي حدثت، وكذلك الشائعات والغياب الإعلامي الرسمي عن المشهد الذي أغضب الرأي العام، إلّا أننا لم نشهد اعتقالات للناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم نشهد أيضاً اعتقالات للمتظاهرين لفترات طويلة كما حدث في العهد السابق، بل تم الإفراج عنهم بشكل سريع.

وكثيراً ما تساءل البعض؛ لماذا خرج الباحثون عن عمل في عُمان والمسرَّحون من أعمالهم في وقت تمر فيها معظم دول العالم بأزمة اقتصادية وبظروف وأزمات داخلية مشابهة؟ في حقيقة الأمر إن أحد أهم الأسباب التي أدت إلى الاحتقان بالإضافة إلى كل الأسباب الأخرى المعروفة التي هي أساس أزمة الباحثين عن عمل، والمسرحين من أعمالهم هناك أسباب أخرى مثل وجود قضايا مالية في محاكم القضاء على بعض المسرحين من أعمالهم بسبب عجزهم عن سداد الدين، وكذلك عدم الإحلال الوظيفي في كثير من المهن رغم المطالبات الشعبية، وغيرها من الأسباب، ومع ذلك يمكن أن نرجع السبب الرئيسي للاحتقان لدى الباحثين عن عمل والمسرحين من أعمالهم وأطياف واسعة وكبيرة من أفراد المجتمع إلى التصريحات والقرارات المتوالية التي صدرت من قبل المسؤولين خلال العام الحالي وأثرت على أوضاعهم المعيشية في ظل أزمة اقتصادية وصحية تمر بها البلاد ودول العالم.

إن أزمة الباحثين عن عمل وأزمة المسرحين من أعمالهم تكاد تكون أزمة في معظم دول العالم، ومشاهد التجمعات الاحتجاجية والمظاهرات السلمية متوقع لها أن تتكرر في مختلف الدول، كما أن تعامل السلطات أصبح أمام أنظار العالم في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، ولهذا ينبغي على السلطات أن تدرك أن كيفية تعاملها مع هذه التجمعات والاحتجاجات السلمية له تأثيرات وانعكاسات سياسية، واقتصادية، وهي تمس كافة القطاعات الحيوية كالسياحة، والاستثمار الأجنبي، وتصنيفاتها في التقارير الدولية، ولهذا فإن التعامل الرشيد من قبل السلطات مع هذه التجمعات يكسب هذه الدول سمعة طيبة، ويكون له مردود إيجابي لها على كافة النواحي. ولهذا نأمل كمواطنين محبين للوطن والإنسان أن يكون هناك تقدم في بلدنا من حيث حسن إدارة التعامل مع التجمعات السلمية.

إن معظم دول العالم تمنح لمواطنيها حق التجمع السلمي لكن كثيراً ما تحدث العديد من الإشكالات والحوادث والأضرار في ميادين التجمع مما يؤدي إلى تحول المشهد إلى انتهاك حق التجمع السلمي بسبب التصادم الذي يحدث بين الأفراد ورجال الأمن، ويسبب تحول المشهد من كونه سلمي إلى عصيان مدني؛ وبالتالي زيادة الاحتقان والأضرار، وارتفاع سقف المطالب الذي يقوم بدوره بالضغط على الحكومة ويؤدي إلى الانفلات الأمني في بعض الأحيان.

كيف يمكننا تدارك ذلك وإيجاد تجمع سلمي دون صدام؟ أجد أنه من الضروري تأهيل وتدريب مجموعة من رجال الأمن والإعلاميين على حسن إدارة التعامل مع مثل هذه الأحداث التي نرجو أن لا تتكرر؛ ولكن مثل هذا التدريب والتأهيل الاستباقي بات ضرورياً حتى لا تترك المسألة للاجتهاد الشخصي، وردة الفعل اللحظية التي قد تكون أضرارها كبيرة وفادحة، ولهذا فإن حسن التعامل المبني على تدريب وتأهيل مسبق على إدارة الأزمات من شأنه أن يحقق التعامل الرشيد الذي يحفظ للدولة مكانتها وصورتها الإيجابية في العالم. إن هذا التأهيل لرجال الأمن والإعلام يكون من خلال ورش ومحاضرات يديرها متخصصون في علم الاجتماع، والإعلام، وإدارة الأزمات. وأقترح أن يتواجد رجال الأمن بزي مدني له سمات أو إشارة خاصة تميزه كفريق أمني للتعامل المدني مع التجمعات السلمية، ويكون دورهم الأساسي هو إدارة التجمعات مع استخدام مكبرات صوت لتنظيم الشباب الذين لا تتوافر لدى كثر منهم المعرفة والممارسة القانونية، وبالتالي ضمان ممارستهم لحقهم في التجمع السلمي دون الإخلال بالنظام والقانون.

كما أرى أنه من الضروري وجود صندوق للمقترحات والمطالب في أماكن التجمعات السلمية مع ضمان دراستها من المسؤولين المعنيين، لأن هذا قد يخفف الاحتقان لدى الشباب ويشعرهم بأن أصواتهم مسموعة، واقتراحاتهم مقدّرة. وفي حال وجود مخالفات قانونية يتم إيقاف المخالفين، وفرض عقوبات بديلة عن السجن كالعمل لساعات خدمة اجتماعية عامة دون مقابل، والأفضل أن يكون العقوبة البديلة هي العمل على حراسة موقع حتى ينمى لدى الشاب المخالف للقانون حس المسؤولية مع فرض غرامة يومية.

كذلك فإن تواجد وسائل الإعلام مهم وضروري للاستيعاب، فالسبب الأكبر لوجود المحتجين في الميدان العام هو رغبتهم في إسماع أصواتهم الاحتجاجية ومطالبهم، ولهذا فإن وجود قنوات إعلامية تبث مطالبهم يشعر هؤلاء الشباب بأن هنالك مساحات للتعبير عن آرائهم ومطالبهم دون الحاجة الفعلية للتجمع في الساحات العامة، وهو ما ينزع فتيل الأسباب المؤدية للتصادم،  كما أن وجود شخصيات مؤثرة من الإعلام ضروري لإدارة المشهد، والتهدئة، لأنه يشعر المتواجدين في الساحات والميادين أن الإعلام طرف محايد يقوم بإيصال الرسالة بكل مهنية وحيادية.

أيضاً من الاقتراحات التي يمكن دراسة جدواها هو إيجاد جمعيات للشباب العُماني الباحث عن عمل في مختلف الولايات على غرار جمعيات المرأة العمانية، فوجود هذه الجمعيات التي تمثل هؤلاء الشباب في كل ولاية وتعبر عن مطالبهم قد يكون مجدياً لاستيعاب هذه الفئة وتفهم احتياجاتها، فالمجالس الحكومية أو البرلمانية التقليدية وحدها لا تكفي بالأخص إذا كان هناك مشاكل مزمنة تتعلق بالعمل والشباب.

أخيراً عندما يتاح للمجتمع والشباب على وجه الأخص حرية التعبير عن نفسه بالطرق السلمية، ومن خلال مساحات وقنوات متعددة تلقى اهتماماً وتفاعلاً من قبل الحكومة، فإن مثل هذا الصدام الذي شهدناه مؤخراً سيكون نادر جداً، بل ربما سيختفي تماماً حتى في ظل وجود الأزمات.

المصدر
المسار

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: