آراء الكتاب

عذراء حمود تكتب للمسار: مدارس التعليم الحِرَفي الإلزامي كأحد حلول البطالة في عُمان

المسار   |  آراء الكُتاب

عذراء حمود

كثيراً ما نردد أن الشباب هم “ثروة الوطن” ولكن هل فعلاً المسار الفكري في دولة ذات ثروات طبيعية متنوعة كعُمان يسعى إلى تعميق هذا المفهوم واستثماره وتطبيقه على أرض الواقع؟

لكي تخرج أي دولة من أي أزمة مزمنة تواجهها لابد أن تتخذ حلولاً جذرية نابعة من دراسة وضعها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وليس فقط محاولة تطبيق نماذج ناجحة لإدارة الأزمات في دول أخرى، فالنموذج الذي ينجح في دولة قد لا يحقق ذات النجاح في دولة أخرى وذلك ببساطة لاختلاف طبيعة المجتمعات وواقعها.

إن المتأمل لواقع الشباب العُماني وسوق العمل على مدى سنوات طويلة ماضية يجد أن هنالك غياباً حقيقياً لهم عن الوظائف الحِرَفية الإنتاجية التي تعتمد على المهارة اليدوية والبراعة العملية، والتي تعتمد عليها نهضة الصناعة المحلية لأي بلد، وهذا الغياب تعززه ثقافة المجتمع وأيضاً الحكومة، حيث أن المجتمع يجد أن الوظائف التي تستقي مواردها الأصلية من الريع النفطي والدعم الحكومي هي المستحقة والمرغوبة لأنها ربما الأسهل والأكثر أماناً، وفي المقابل نجد غياباً لجهود الحكومة في تعزيز ثقافة المهن الحِرَفية، ودعمها بمشاريع تحقق تنوعاً في فرص العمل الحِرَفي، وتعزز العائد المالي للعمال الحِرَفيين، وبالتالي خلق زيادة في الطلب على المهن التي تعتمد على المهارات اليدوية والعملية، وتحويلها إلى إحدى المجالات الجاذبة والتنافسية في سوق العمل.

إن هناك اتكالية كبيرة على العمالة الوافدة في المهن الحِرَفية المعتمدة على المهارات اليدوية والعملية، ورغم وجود عمالة وطنية بجانب العمالة الوافدة إلا أن نسبتها ما تزال قليلة، وهذا الواقع لا ينطبق على عُمان فحسب بل هو واقع أغلب دول الخليج، حيث أن معظمها تتبنى ذات النهج وهو الاعتماد على العمالة الوافدة في الأعمال اليدوية الحِرَفية. ورغم وجود ثروات طبيعية متنوعة في الدول الخليجية ومشاريع استثمارية كبيرة إلا أنها تتجه بشكل أكبر لتوفير فرص العمل لمواطنيها في الوظائف الخدمية، أما مجالات العمل الإنتاجية التي تعتمد على المهارات اليدوية، والخبرات الحِرَفية فيشغل معظم الفرص الوظيفية المتوفرة فيها عمالة وافدة، مما يجعل اقتصادها ريعي استهلاكي وليس اقتصاداً إنتاجياً. لهذا لاتزال هذه الدول تعاني ارتفاعاً في نسبة البطالة، وزيادة في نسبة العمالة الوافدة مقارنة بالوطنية، وكذلك ارتفاعاً معدلات الجريمة التي تعزى لهذه الأسباب، أما عندما تتفاقم أزمة البطالة فتذهب جميعها إلى ذات الحل وهو التجنيد العسكري والشرطي، وفي بعض الدول للتجنيد الإجباري. ولكن ماذا يضيف هذا التوجه للدولة في ظل وجود اكتفاء في القطاع العسكري؟

ما هو حل هذه الأزمة، والذي لم تتبعه الدول الخليجية حتى الآن رغم أنه يتناسب مع واقعها واحتياجاتها الفعلية؟ إنه التعليم المهني الحِرَفي في مرحلة ما بعد التعليم العام. فمن وجهة نظري لو تم أخذ التعليم والتأهيل الحرفي اليدوي بجدية سيكون له دور كبير في الإحلال الوظيفي، وانخفاض معدلات البطالة، وزيادة التنمية البشرية.

إن فكرة التعليم والتدريب المهني تقوم على إيجاد مدارس إلزامية للتعليم والتدريب الحِرَفي لما بعد مرحلة التعليم العام (الثانوية). وكما هو معروف، فقد كان لدينا قبل أكثر من 20 عاماً معاهد للتدريب المهني بعد المرحلة الإعدادية؛ ولكن فشلها أو محدودية نجاحها تعود لأسباب كثيرة من بينها أن مثل هذه المعاهد لا تكون مجدية عملياً إلا إذا كانت بعد مرحلة التعليم العام، وأيضاً عندما تكون إجبارية. لماذا لابد أن تكون بعد مرحلة التعليم العام وليس قبلها أو أثناء المراحل المدرسية؟ ذلك لتجنب مشاكل أخرى، ومنها على سبيل المثال تجنب وجود العمالة دون السن القانوني، ففي الماضي كان يوجد نقص أيدي عاملة بينما الآن هناك اكتفاء وفائض ولا يوجد مبرر لذلك، فالمرحلة العمرية التي تكون ما دون الثامنة عشرة لابد أن تكون مرحلة تعليم وتثقيف فقط، كما أن إلزام التدريب المهني في عمر مبكر سيؤدي بدوره إلى زيادة معدل البطالة، خاصة وأن المهن المطلوبة في سوق العمل أصبحت تحتاج المستوى الأساسي من المعارف العلمية والفكرية إضافة إلى المهارات اليدوية والمهنية.

أما عن آلية العمل المتصورة لهذه المدارس المهنية فلابد أولاً من أن تكون تابعة لوزارة العمل كجهة إشرافية بالتنسيق مع الوزارات الأخرى بحسب التخصصات سواء أكانت مهن حرفية في الزراعة أو الصناعة أو الكهرباء أو التعدين أو غيرها من القطاعات، كذلك يجب أن تشرف عليها إحدى المؤسسات الحكومية المعنية بالتعليم، فالسنة الأولى للتعليم تكون نظرية أما في السنة الثانية فتكون ميدانية في مواقع العمل، ويمكن تمديد التدريب الميداني للإجادة لمدة سنتين وذلك مع وجود خبراء للإشراف. كذلك من الجيد دعم هذا النوع من التعليم المهني بصرف مكافأة للطلاب المجيدين، وكذلك مخصصات للطلاب في هذه المرحلة حتى وإن كانت قليلة.

وحتى يتحقق التعليم المهني بالشكل المطلوب وتأهيل الشباب للعمل بدءً من مرحلة ما بعد التعليم العام لابد من التزام وزارة التربية والتعليم بمتابعة أي طالب يتخلف عن إكمال الدراسة الأساسية حتى الدبلوم العام، وإيجاد حلول لأي مشكلة تواجهه وتعوق إكماله لدراسته من خلال المرشد الاجتماعي، كذلك يجب اتخاذ إجراءات في عُمان تمنع التخلف المبكر عن إتمام شهادة التعليم العام، ووضع تشريعات وقرارات من أجل ضمان ذلك.

وقد بات من الضروري تغيير سن الرشد في عُمان ليكون ٢١عاماً، وهو السن الذي يتخرج فيه الطالب من مدارس التعليم، ومعاهد التعليم والتأهيل المهني الإلزامية إذا تم إيجادها، وهو أيضاً السن القانوني المعمول به في بعض دول الخليج. فمن ينظر للفئة التي خرجت للتظاهر والمطالبة بالتوظيف سيجد أن أعداد كبيرة منها لديها مؤهل دون الدبلوم العام، في حين أننا الآن في عصر أصبح فيه التعليم هو الأساس الأول لبناء أي دولة وتقدمها.

إن كثير من الدراسات تشير بوضوح إلى أن الدول التي تبنت التعليم المهني الحِرَفي بعد إتمام التعليم العام هي الدول التي يحقق فيها الشباب عائداً مالياً أكبر في سوق العمل، فدول مثل ألمانيا، وسويسرا، وهولندا، والدنمارك، وأستراليا، والنرويج، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة جميعها تتبنى التعليم والتدريب المهني Vocational Education and Training)) بعد اتمام التعليم العام، وهذه المناهج التعليمية والتدريبية المهنية أحد أسباب تقدمها الاقتصادي. ويصوغ هذه المناهج المهنية والتدريبية في هذه الدول تربويون، وإداريون، وأصحاب خبرة عملية لديهم معرفة متخصصة بالمهارات المهنية المطلوبة في سوق العمل. ففي دولة مثل سويسرا، والتي تعتبر رائدة عالمياً في هذا النوع من التعليم الحِرَفي، يمضي 60% إلى 80% من الملتحقين بالتعليم المهني أوقات دراستهم في مواقع العمل بناءً على عقود مبرمة بين الحكومة والشركات، إضافة إلى ساعات الدراسة النظرية في قاعات المحاضرات.

قد يبدو للبعض أن هذا الحل ليس مجدياً للأزمة الحالية، ولكنه من الناحية العملية أثبت نجاحه في كثير من الدول، وهو سيساعد في حل الكثير من الأزمات والإشكالات الاقتصادية والاجتماعية، ولا يخفى على أحد أن نجاح مسار تنويع مصادر الدخل يستلزم وجود عمالة وطنية محترفة، ولدعم هذه الشريحة لابد من وجود مشاريع إنتاجية في المجالات الزراعية، والصناعية، واللوجستية لأنها تتطلب أيدي عاملة ذات مهارات عملية ومهنية عالية، وكذلك من المهم وجود تفعيل لنشاط الموانئ العُمانية لأنها قد تصبح أحد أقوى وأهم روافد الدولة نظراً لموقعها الجغرافي، وبالتالي تخلق فرصاً وظيفية تستوعب أعداد كبيرة من العمال المهنيين العمانيين، والأهم كذلك هو فتح المجال لاستقبال الأفكار الإبداعية والدراسات التي تخدم هذه المجالات بشكل أكبر.

عندما تقوم الدولة ببناء مجتمع قائم على التعليم والتدريب الحِرَفي الإلزامي ستكون هناك ثقافة جديدة ومسؤولة في المجتمع تدعم التنمية المحلية، كما سيكون للمجتمع دور كبير في دعم الابتكار تنويع مصادر الدخل بشكل عملي، فلا يكفي أن نزعم بأن أزمة البطالة ستنتهي فقط بالإحلال الوظيفي، فهذا وحده قد يخلق مشاكل أخرى. إن حصول فئة الشباب على معونة مقابل جهد عملي يقومون به، ومهارات مهنية يمتلكونها ويستفيدون منها، أجدى لهم من حصولهم عليها دون مقابل، وهنا أقصد في غير الظرف الاقتصادي الحالي، وفي حال عدم وجود أزمة مسرحين من أعمالهم. كذلك فإن وجود الشباب الذين لم تتوفر لهم فرصة التعلم الجامعي في مقاعد التعليم والتدريب أفضل بكثير من وجودهم في المنزل؛ فهذه طاقات كبيرة لابد من استغلالها وعدم هدرها، فتعلم الإنسان لحرفة مهنية يقيه من الانحراف، ويحميه من الفقر المادي والمعرفي.

إن فئة الشباب في أي مجتمع هي القوى المنتجة، والمصدر الحيوي لكل عمل ناجح، ولكل اقتصاد متقدم، ولابد من ابداع حلول لتحويلهم إلى ثروة وطنية منتجة. وأخيراً لابد من عدم إهمال دور الثقافة بكل ما تعنيه المفردة من معنى، ولابد أن يكون للدولة مشاريعها الثقافية لدفع عجلة التقدم والازدهار، فالتعليم وحده لا يكفي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: