آراء الكتاب
أخر الأخبار

علي الشيادي يكتب حصريا لـ المسار: الملاقاة في الحياة

المسار  |  آراء الكُتاب

علي بن طالب الشيادي

@AliAlSheyadi

بن طالب الشيادي

صديقٌ عزيز أرسل إليّ رسالة مسائية – كما هو معتاد – كان مفادها: ‏شاركني عبارة رسخت في ذهنك وقلبك أيّاً كان مضمونها ومعناها فقط قل ما في قلبك!!

دونما تردد أو تفكير، رددت عليه بجملة (الملاقاة في الحياة) ولعلي أكاد أجزم بأنها لاقت مكانا في نفسه هو كذلك، هذه الجملة التي سمعتها قبل أكثر من عشرين عاما من امرأة من نساء قريتنا العزيزة.

يومها كنا نصلي العصر في مسجد صغير في المنطقة، وكان مؤسس ذلك المسجد والقائم على شؤونه (الجد مبارك الصالحي) قد بلغ مبلغاً من العمر، فبقي طريح فراشه لفترة ليست بالقصيرة، في تلك الفترة قام صديقه وجاره (الجد شنون المرشودي) على المسجد خير قيام، فيما بقيت زوجة هذا الصديق الوفي (الجدة مريم الصالحية) ملازمة لزوجة صديق زوجها (الجدة شمسة) تخدمها وتساعدها وتراعيها وجميعهم كانوا قد تقدم بهم العمر وبقيت قلوبهم النقية مصاحبة لهم.

جلسنا بعد الصلاة مع جملة من الآباء الكرام ثم خرجنا من المسجد سوياً في ذلك اليوم، فإذا بالجدة مريم تخرج من بيت الجد مبارك، وعلامات الأسى قد ارتسمت على وجهها، والتعب ظاهرٌ على محياها، فنادت في الخارجين من المسجد (يا جماعة زوروا صاحبكم – تعني الجد مبارك – الملاقاة في الحياة، الملاقاة في الحياة) في إشارة منها أن ألقوا نظرة الوداع على صاحبكم فهو في لحظاته الأخيرة من هذه الحياة الفانية.

دخلت تلك الجماعة الصغيرة منزل الجد مبارك يتقدمهم عمي محمد بن عبيد (المعلم) و الجد شنون، ثم انصرفنا إلى منازلنا، وما هي إلا دقائق و يأتي الخبر  ( الجد مبارك الصالحي في ذمة الله ) إنا لله وإنا إليه راجعون!!

هنا ترددت تلك الكلمة التي قالتها الجدة مريم في مسامع القلب والعقل مرات عدة (الملاقاة في الحياة).. نعم فالملتقى الدنيوي لا يمكن أن يكون إلا في هذه الحياة، ولا صلة لرحم ولا زيارة لصديق ولا عيادة لمريض ولا أداء لواجب لذي حق إلا في الحياة.

ماذا سيكون حال من ترك (الملاقاة في الحياة) إذا انتقل من لزمته لقياه إلى حياة أخرى غير حياتنا؟!! ماذا لو حالت الظروف ونحن لم نصل رحماً ولم نزر صديقاً ولم نعد مريضاً ولم نوفِ حق ذي حق علينا؟!!

نعم (الملاقاة في الحياة) لم تكن كلمة عابرة من امرأة كبيرة في السن، بل كانت حكمة أنجبها رحم الإحساس بأهمية هذه اللقاءات، كانت رسالة لنا نحن الشباب: أن اشبعوا من لقاء بعضكم مهما كانت الملهيات، ومهما كانت المشاغل ومهما حكمت الظروف.. رسالة إلينا أن العالم الافتراضي مهما طورته التكنولوجيا ومهما تسابق العالم إليه فإنه لا يغني عن الواقع شيئا في اللقاءات.

قالتها الجدة مريم – تلك المرأة التي كانت يدها البيضاء ممتدة بالعطاء (رغم بساطة وضعها)، وقلبها الطاهر يفيض حُباً و وداً – قبل سنوات طوال، فما زالت نكهة (الزموتا) الخضراء و البيضاء التي كانت توزعها يتذكرها كل من عرفها، و ما زالت ابتسامتها الصادقة مرتسمة في قلب كل من عايشها، و ما زالت البيوت القديمة الباقية تتذكر زياراتها الودية التي تترجم من خلالها مقولتها (الملاقاة في الحياة).

ومضت السنون وتصرّمت الأيام، وأقعدها المرض – كما أقعد من سبقوها – وحلّت جائحة كورونا التي حالت دون (الملاقاة في الحياة) ويأتي يوم الأربعاء 27 محرم 1442 ه – 16 سبتمبر 2020 م فنستيقظ على رسالة (الجدة مريم الصالحية في ذمة الله) إنا لله وإنا إليه راجعون.

ذهبت إلى بارئها وبقيت رسالتها تتردد وكأنها وصية تركتها لنا (الملاقاة في الحياة) فالتقوا مع بعضكم، زوروا إخوتكم، فالعمر لا ينتظر، والسنوات ترحل سريعاً، واشبعوا من ود اللقيا تتبارك أعماركم وحياتكم.

المصدر
صحيفة المسار

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى