آراء الكتاب

علي الشيادي يكتب للمسار: “أهم شيء الأمن والأمان”.. حوارات الوطن والسلبية وحزب الكنبة

المسار   |   آراء الكُتاب

علي بن طالب الشيادي

@alialsheyadi

حكيمٌ في إحدى المناطق كان يستقبل جيرانه وأقاربه وآخرين ممن يأتون لاستشارته في شؤون حياتهم، وذات فترة كثر من حوله الشاكون المتذمرون، وفي كل مرة يحاول إعطاء كل متشكٍّ حلا يناسب وضعه، إلا أن الوضع أصبح في ازدياد، وتكررت ذات الأمور التي يتذمرون منها في كل مرة.

حاول الحكيم إيجاد حلول ذكية ينهي بها لغة الإحباط و اليأس المتكررة، فنادى في أهل منطقته و المناطق المجاورة الذين يقصدونه لحل قضاياهم، و جمعهم في مجلس واحد، ثم ألقى في حضرتهم ابتسامة ضحك منها الجميع، ثم أعاد لهم ذات الابتسامة فضحك البعض بصورة أقل من سابقتها، و بعد مرور وقت في مجلسهم كرر عليهم الابتسامة نفسها، لكن هنا لم يضحك إلا القليل منهم.

سألهم عن سبب ضحكهم في المرة الأولى وتناقصه فيما بعد ذلك، فردوا: أن تكرار الابتسامة جعلهم يتعودون عليها مما أدى إلى عدم تأثيرها فيهم ولم يعد لها قوة لإثارة ضحكهم منها.

هنا علق الحكيم عليهم متعجبا: ما يضحككم لم يعد مؤثرا فيكم مع تكراره، فما بالكم تكررون التذمر مما تعتبرون تكراره مؤذيا لكم؟!!!

هذه القصة قد يُقاس عليها بعض مما يجري في أيامنا هذه، وقد يتعارض البعض مع هذا القياس إلا أنه واقع يحكي عن نفسه، بل قد يزيد البعض على أحداثها أن تكون أحداث من تنطبق عليهم غير واقعية أو نتيجة عين سخطٍ أو منفعة معينة تخصه هو، خاصة مع استمراء البعض لغة التذمر الممقوتة وتكرارها بصورة لا تزيده سوى تنغيصا لحياته وغرسا للسلبية في حياة غيره.

هذه اللغة قادت البعض لخلط المفاهيم مع بعضها، وعدم التمييز بين الغث والسمين، و بين ما ينبغي عليه فعله و ما يراد له من قِبل البعض، و قد يكون للظروف الاستثنائية حديثٌ تفرض طريقته بصورة مختلفة، لا سيما و أن الأوضاع الاقتصادية المحيطة بالعالم و الجائحة التي غزت الأرض و غيرها من الأمور قد أدت إلى تباين الأفكار و الآراء و ردود الأفعال و طرق التعاطي مع مجريات الأحداث.

ومن الطبيعي جدا أن تنقسم البشرية في كل هذا نتيجة لأمور كثيرة لعل من أهمها الزاوية التي ينظر منها كل واحد منا لما يحدث حولنا، إلا أنه ليس من الطبيعي أن نصل إلى قلب الموازين والكيل بمكاييل مختلفة وخلط المفاهيم وترك القيم والمبادئ.

ومما هو ملاحظ تكرار البعض لبعض الكلمات التي تأتيه معلبة دون التأكد من صلاحية استخدامها أو مناسبة ترديدها زمانا و مكانا، و من هذه الألفاظ ما يردده البعض بكل سخرية و استهزاء أحيانا و بكل يأس و إحباط أو لمز أو أشياء مختلفة أحيانا أخرى، حين يردد مع كل حديث عن خطأ مهما صغر: (أهم شيء الأمن و الأمان).

و عند تتبع طريقة تفكير من يردد هذه الجملة إما أن تجده ناقماً أو جاهلاً يقوده اللاوعي أو كما يقال (مع الخيل يا شقرا) و في كل أحواله تطغى عليه السلبية المذمومة، فيردد جملته بمناسبة وبدون مناسبة، مهما تعارضت مع الزمان والمكان اللذين يقولها فيهما.

في المقابل قد تستفز طريقة إلقاء هذه الجملة جملة من البشر، غِيرةً منهم على أوطانهم وإدراكاً لأبعاد الجملة و عمق معاني مفرداتها، و هنا قد تتكون لديهم ردات فعل متباينة أيضا، يقومون من خلالها بالتعامل مع من يردد المفردات المذكورة.

وفي الجانب الآخر تجد فريقا ممتنعا لا إلى هؤلاء لا إلى هؤلاء أو قد ينتمون للحلقة الأقوى بعد متابعة نتائج الحوارات، وقد يُطلق البعض عليهم (حزب الكنبة) الذين يبررون مواقفهم بإيثارهم الهدوء في كل الأحوال.

إن تكرار جملة الأمن و الأمان بهذه الصورة الساخرة وبنبرة الإحباط إنما هي طغيان للغة السلبية التي تنتقل عدواها لكل من كانت نفسه مهيئة لأن تكون بمثابة عين السخط التي تُبدي المساوئ و يقصر نظرها عن المناقب، بل عدم فهم لمعاني الأمن و الأمان، و عدم إدراك لفقد هاتين النعمتين.

دعونا هنا نتذاكر سويا و بصورة مختصرة معاني الأمن و الأمان اللذين يسخر منهما البعض دون أن يعلم و دون أن يفقه عاقبة سخريته، فالأمن (كما يعرّفه الدكتور هزاع عبدالعزيز المجالي) هو شعور الفرد أو الجماعة بالحماية و السلامة من أية مخاطر خارجية، و في تعريف آخر: هو عبارة عن مجموعة من الممارسات التي تضمن في حيثياتها التخلّص من المخاطر التي تهدّد السلامة العامة للأفراد و الأوطان،  الأمر الذي يترتب عليه الاستقرار الذي يضمن استمرارية عمليات التنمية و التطوير و الإنتاج، و الأمان هو ذلك الشعور الناتج عن تحقق معنى الأمن المشار إليه.

و إذا ما تحدثنا عن أنواع الأمن فهنالك الأمن الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي و العسكري و البيئي و غير ذلك، و في كل أنواعه يشكل الأمن أهمية قصوى في تحقق مبدأ الأمان، و عُمقاً وجدانياً لا تستقيم الحياة دون حضوره في كل تفاصيلها، و نظراً لهذه الأهمية فقد قرن الله تعالى في كتابه العزيز الأمن والأمان بالغذاء الذي يعتبر أساساً للحياة فقال: “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”.

إن المتتبع لأحوال من اختل عندهم الأمن ففقدوا الأمان، يجد أنهم خسروا الكثير من النعم التي كانت تحيط بهم، والسبب في ذلك هو كفر نعمة الأمن التي كانوا فيها والأمان الذي كانوا يعيشون، قال تعالى: ” وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ”.

و إذا ما أردنا تقريبا المسافة بيننا و بين تلك الأمم الخالية، فإن لنا عِبرة في من حولنا ممن كانوا يتنعمون بالأمان و الطمأنينة والاستقرار، ثم انقلبت بهم الحال بما كسبت أيديهم حتى أصبحوا يتمنون أن لو تعود بهم عجلة الزمان ليعودوا لسابق عهدهم بعد أن عمّت الفوضى و سيطر عليهم الفقر المدقع و تشرّد بعضهم في البلاد.

وعَوداً على بدء مع قصة الحكيم، فإن أولئك السلبيين دائمي التذمر لا يبرحون يكررون الشكوى من ذات الأمر ويكررون خلط الأخطاء وأوجه التقصير بنعمتي الأمن الأمان العظيمتين، وفي حقيقة الأمر إنما يعملون على نشر عدوى السلبية بين كل من لم يحصّن نفسه منها.

ختاما.. نعم، أهم شيء الأمن والأمان، وما دونهما لا يُطلب بإشاعة الفوضى وتغليب لغة اليأس و سيطرة الإحباط و التغني بما عند الآخرين و تقزيم ما لدينا، فإلى كل مستخفٍّ بهاتين النعمتين: راجع نفسك.

المصدر
المسار

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: