رأي المسار

رأي المسار..

عمان والصين.. التاريخ يقود خطى المستقبل

رأي المسار     |      العلاقات العمانية الصينية ليست وليدة اليوم، بل تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، وتقوم على أسس راسخة من الروابط التاريخية والقواسم المشتركة والمنافع المتبادلة.

والمستقصي لمسار هذه العلاقات في بعدها التاريخي يلحظ أنها تعود إلى ماضٍ بعيد يتجاوز الاثني عشر قرنًا، حيث ارتبط البلدان عمان والصين عبر طريق الحرير هذا الممر الاستراتيجي الذي أسهم في توطيد الوشائج، وتدعيم الصلات بين الدول التي يمر بها عبر التاريخ، ويجري العمل حاليًا على إحيائه، وإعادة الروح إليه ليستعيد مجده شريانًا للتواصل الحضاري، وسبيلاً لتعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية والثقافية بين الصين والدول التي يمر بها ومنها سلطنة عمان.

إن العلاقات المتجذرة والآخذة في النمو بين سلطنة عمان وجمهورية الصين الشعبية، تكتسب أهمية خاصة لكلا البلدين لاعتبارات عدة، في مقدمتها حقائق   التاريخ وثوابت الجغرافيا، حيث الموقع الاستراتيجي لعمان، وما يشكله هذا الموقع من أهمية للتجارة   العالمية، خاصة أنها تشترك في التحكم في المدخل الخاص بأغنى مناطق إنتاج البترول في العالم، وتمر عبره صادرات هذه السلعة الحيوية إلى العديد من الدول.

وعلاوة على ذلك؛ ترى الصين في عمان حليف موثوق يمكن الاعتماد عليه فيما يتعلق بإمدادات النفط، وفيما يتصل بمأمونية وجاذبية البيئة الاستثمارية، إلى جانب ثبات مواقف السلطنة إزاء مختلف القضايا في الساحة الدولية انطلاقًا من مبادئ سياستها الخارجية المتزنة والمناصرة لكل ما من شأنه تعزيز السلم والأمن الدوليين.

هذه المواقف المشرفة لعمان على صعيد أسرتها الدولية تجعلها محل تقدير واحترام الدول الأخرى، والصين ليست استثناء من هذه الدول.

وبالنسبة لعمان؛ فإن تطوير العلاقات مع الصين يحتل مكانة متقدمة على قائمة بنود سياستها الخارجية من منطلق الوعي بالمكانة المتنامية للصين التي تخطو بثبات على طريق أن تصبح دولة عظمى، وقطب فعّال في عالم متعدد الأقطاب بدأت ملامحه تتبلور في الأفق مع انطلاق العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، وما تمخض عنها من تداعيات تنبئ بنهاية حقبة أحادية القطبية التي عاش العالم في كنفها طوال الأعوام الماضية.

والصين مؤهلة لان تشغل مكانا طليعيا بين هذه الأقطاب لأسباب منطقية، فهي أسرع اقتصادات العالم نمواً، وثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتتصدر دول العالم في مجال التصنيع، وهي أكبر دولة مصدرة عالمياً، وثاني أكبر مستورد للبضائع على مستوى العالم، وتضم أكبر عدد من السكان في العالم يتجاوز 1.4 مليار نسمة، وهي كذلك تمتلك قوة عسكرية ضاربة، ولا ينقصها التقدم العلمي والتكنولوجي.

وبجانب ذلك للصين إسهامات مشهودة في تنمية العديد من بلدان العالم. هذه العوامل مجتمعة تجعل من الصين وجهة مثالية لبناء علاقات وطيدة ومثمرة.

لذا لا غرو أن حرصت سلطنة عمان على تعزيز علاقاتها مع الصين، ويتضح ذلك في العديد من مجالات التعاون.

سياسيا؛ تم تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على مستوى السفراء قبل أكثر من أربعة عقود، وأعقب ذلك العديد من المبادرات لتوثيق الصلات الثنائية ومن ذلك تطوير لجنة التشاور السياسي إلى لجنة للتعاون الاستراتيجي، وإعلان الشراكة الاستراتيجية بين عمان والصين، وتوقيع البلدين على مبادرة الحزام والطريق ( طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين )، وإنشاء  المدينة الصناعية الصينية العمانية في منطقة الدقم في إطار هذه المبادرة.

تفتح كل هذه الشواهد آفاقاً رحبة للتعاون الاقتصادي، في ظل حقيقة أن الصين أكبر شريك تجاري للسلطنة، من واقع الاحصائيات لحجم التبادل التجاري بين البلدين الصديقين.

ولا شك أن الزيارات المتبادلة للمسؤولين في البلدين -وآخرها الزيارة التي قام بها مستشار الدولة ووزير الدفاع بجمهورية الصين الشعبية إلى السلطنة مؤخرا- تصب في خانة توطيد العلاقات الثنائية، وتنبئ عن المستقبل الواعد الذي يحرص قادة البلدين على استشرافه لخير الشعبين الصديقين.

المصدر
المسار - خاص

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: