محمد البادي يكتب: ظفار تداوي جراح الطفولة

المسار | مقالات الرأي
محمد بن علي البادي
ثمة لحظات في تاريخ الشعوب لا تُقاس بحركة عقارب الساعة، بل برعشة الضمير الإنساني عندما يستيقظ. وفي ظفار، حيث يتواطأ الضباب مع الجبل ليصنعا لوحة من السكينة الإلهية، اعتاد العالم أن يرى “الخريف” فصلاً للمطر والطبيعة. لكن الخريف هذا العام لم يكن مجرد ظاهرة مناخية، بل كان خريفاً للروح؛ فصلٌ انهمرت فيه الإنسانية كأشد ما يكون الودق، لتثبت هذه الأرض أن رذاذها لا يروي الشجر فحسب، بل يحيي القلوب التي كادت تجف في عصر المادية المظلم. ولم يكن أهل ظفار يوماً عابري سبيل في كتاب الكرم، بل هم أهله وأصحابه، يصدق فيهم ذلك المأثور الخليجي العميق: “من ضوى الإكرام ما حاتى العشا”، والذكاء الكامن في هذا المثل لا يقف عند حدود إطعام الجائع، بل في الأمان النفسي الذي يمنحه الكريم لضيفه، إنها هندسة اجتماعية متوارثة، تجعل من البذل فرض عين، ومن الشهامة طبعاً لا تطبعاً.
وفي عمق هذا المشهد، وحين يمرض طفل، ينكسر في الكون شيء ما؛ فكيف إذا كان الوجع يتأمل براءتين؟ لقد كان الطفلان أحمد العجمي وسالم الشيدي أكثر من مجرد اسمين في سجلات المرضى، بل كانا مرآةً واجه المجتمع فيها عجز المادة أمام جبروت الأمل، وهنا تجلى الذكاء الجمعي لأهل ظفار وعُمان قاطبة. إن الأعظم في هذه الملحمة الوطنية ليس في “الرقم” المالي الذي سُجّل في حسابات التبرع، بل في تفكيك مفهوم العزلة؛ ففي عالمٍ حديثٍ باتت الفردية فيه صماً، والأنانيات هي السائدة، جاء أبناء ظفار ليعيدوا صياغة العقد الإنساني، ونظروا إلى عيون أمهات أحمد وسالم، فلم يروا غرباء، بل رأوا امتداداً لأرواحهم، مبرهنين على أن الألم إذا قُسِّم على أمة.. مات الألم وعاش الطفل، وأن تحويل الفجيعة الفردية إلى قضية وجودية للمجتمع بأكمله هو أسمى تجليات الوعي، حيث تنصهر الفوارق وتصبح النبضة في صدر الصغيرين هي ذاتها النبضة في صدر كل شيخ وشاب.
أمام هذا التدفق البشري، كيف لا يبكي الحجر؟ كيف لا يهتز الوجدان صبابةً وأنت ترى قوماً يسابقون الريح، لا يبتغون تجارةً ولا رياءً، بل يشترون بمدخراتهم ابتسامة طفل قد لا يرونه أبداً؟ إنها الفزعة التي تتجاوز الواجب المكتوب إلى الفرض الأخلاقي، عطاءٌ لم يكن نابعاً من وفرة المال، بل من وفرة الكرامة التي تجري في عروق أبناء ظفار؛ فإذا نادى المنادي، سبقت أفعالهم أقوالهم، وتساقطت أعذار السنين أمام فيضان مروءتهم التي أثبتت أن الجسد العُماني واحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
وغداً، حين تنتهي الحملات، وتبرأ أجساد الأطفال بإذن الله، ويعود أحمد وسالم ليركضا في حارات الوطن، سيبقى في ذاكرة التاريخ أن هناك أرضاً تُدعى ظفار، لا تنبت اللبان المرّ فحسب، بل تنبت الترياق الشافي لكل جرح وطني. فسلامٌ على هذه الأرض الوالدة، وتحية إجلال للشعب الذي كتب بدموعه وأمواله ومواقفه أعظم سيمفونية تكافل شهدها هذا العصر، معلماً إيانا أن الوطن ليس بقعة جغرافية نعيش فوقها، بل هو موقف نبيل نعيش به وله، وسلامٌ على ظفار يوم أنبتت الجمال في الأرض، ويوم زرعت الرحمة في قلوب البشر، وسلاماً على ظفار العز والشموخ.