أكدوا أن القانون يرسّخ مبدأ الاستخدام الآمن والمسؤول للفضاء الرقمي
مختصون لـ ” المسار “: قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات نقلة نوعيّة للمنظومة التشريعية

- القانون يكفل صون الأمن الرقمي ويدعم التنمية الاقتصادية ويحمي المجتمع
- آثار إيجابية للقانون على تماسك المجتمع والحفاظ على قيمه وهويته في العصر الرقمي
- القانون يشكّل درعاً وقائيا للأفراد والمجتمع والمؤسسات في مواجهة الجرائم الإلكترونية
- مواجهة الأنماط المستحدثة من الجرائم التقنية التي تستهدف الأفراد والمؤسسات والدولة
- ترسيخ مبدأ الردع القانوني لممارسات التنمر الإلكتروني والابتزاز ونشر الشائعات
المسار | سمية حمد البادي
رأى مختصون أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (61/ 2026)، يعد نقلة نوعيّة مهمة للمنظومة التشريعية في سلطنة عُمان، حيث إنه يهدف لتعزيز الأمن الرقمي الوطني وحماية المجتمع من الجرائم الإلكترونية وضمان سرية وسلامة البيانات والمعلومات الإلكترونية وتوفير الحماية للأدلة الرقمية وتحقيق الردع القانوني من خلال سن عقوبات رادعة للجرائم المرتكبة باستخدام وسائل تقنية المعلومات. وقالوا لـ “المسار” إن القانون الذي يتضمن 62 مادة موزعة على تسعة فصول، وبدأ العمل به أمس الاثنين، يسهم في تحديث المنظومة التشريعية وسد الثغرات في قانون 2011م، مما يساعد في تهيئة بيئة رقمية آمنة وموثوقة تعزّز التحول الرقمي، وتشكل درعاً وقائيًا للأفراد والمجتمع والمؤسسات في مواجهة الجرائم الإلكترونية.
“المسار” استطلعت آراء عدد من المختصين والمعنيين حول الآثار الإيجابية لهذا القانون على مختلف الأوساط المجتمعية والمؤسسية.
بيئة رقمية آمنة وموثوقة

يرى محمد الربيعي – خبير تقني وأمن سيبراني – أن القانون يسهم في توفير إطار قانوني واضح يُحدد الجرائم الإلكترونية والعقوبات المترتبة عليها، مما يمنح الجهات المختصة صلاحيات أوسع للتحقيق وجمع الأدلة الرقمية وتتبع مرتكبي الجرائم التقنية.
ويضيف الربيعي أن القانون يعزّز التعاون المؤسسي بين الجهات الأمنية والقضائية ومزودي خدمات الاتصالات، حيث إن هذا التنسيق يرفع من كفاءة الاستجابة للحوادث السيبرانية والهجمات المنظمة، ويساهم في حماية البنية الأساسية للمعلومات والأنظمة الرقمية.
ويوضح أن القانون يساعد في تشكيل بيئة رقمية أكثر أمانًا وثقة، ويغرس لدى الأفراد والمؤسسات على حد سواء ثقافة حماية البيانات والخصوصية، ويحفّزهم على تبني ممارسات أكثر وعيًا ومسؤولية في تعاملهم مع الخدمات الرقمية المتنوعة.
ويؤكد الربيعي أن القانون لا يقتصر على الجوانب العقابية والإجراءات القانونية فحسب، بل يسعى إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي من خلال توضيح الأفعال التي تُشكّل جرائم إلكترونية، مما يعزّز ثقافة الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي، ويشجّع المؤسسات الحكومية والخاصة على إطلاق حملات توعوية مستمرة حول مخاطر الاحتيال الإلكتروني والابتزاز ونشر الشائعات والأخبار المضللة، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة وعي الأفراد بطرق الوقاية والإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية والحد من انتشارها.
ترسيخ السيادة الرقمية الوطنية

ويقول أحمد سعيد اللويهي – محامي ومستشار قانوني -: “يمثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات خطوة بارزة في تطوير المنظومة التشريعية الوطنية، ومواكبة التحولات الرقمية المتلاحقة التي اجتاحت العالم في السنوات الأخيرة والتي لم تكن مطروحة عند صدور قانون عام 2011م”.
ويضيف اللويهي” أن الواقع الرقمي اليوم بات يحمل سمات مختلفة كلياً عما كان عليه الحال في السابق، حيث باتت تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق (Deepfake) والأنظمة الذكية بحاجة إلى استحداث قوانين أكثر شمولية ومرونة في مواجهة الجرائم الإلكترونية المعقدة. ويُلاحظ أن القانون الجديد يستجيب لهذه المتغيرات من خلال تعزيز الحماية القانونية للأنظمة المعلوماتية والبيانات الرقمية والأدلة الإلكترونية، ومواجهة الأنماط المستحدثة من الجرائم التقنية التي تستهدف الأفراد والمؤسسات والدولة، بما يسهم في سد الثغرات التشريعية التي ظهرت نتيجة التطور التقني المتسارع.
ويستطرد: لا يقتصر دور القانون على التحديث التشريعي فحسب، بل يمتد لترسخ مفهوم السيادة الرقمية الوطنية باعتبارها من مقومات الأمن الوطني. ويشير اللويهي إلى أن القانون يلعب دورًا محوريًا في تعزيز السيادة الرقمية الوطنية من خلال توفير حماية قانونية متقدمة للأنظمة والشبكات والمعلومات الإلكترونية. وأن الحماية تتمثل عملياً في منع استهداف الأنظمة المعلوماتية سواء بتعطيلها أو إلحاق الضرر بها أو المساس بسرية البيانات وسلامتها مما يُعزز أمنها وموثوقيتها، ويرسخ مبدأ الردع ويُقلّص هامش الإفلات من العقوبة في الجرائم السيبرانية.
ويرى اللويهي أن الحماية تزداد أهميتها في ظل الاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية والبنية التحتية التقنية في القطاعات الحيوية. مشيراً أن التصدي للاختراقات والهجمات السيبرانية ضرورة وطنية لحماية المصالح الاستراتيجية للدولة وضمان استمرارية الخدمات العامة وحماية البيانات الحكومية والخاصة.
التوازن بين الأمن والحرية
ويؤكد اللويهي أن القانون يحقق توازنًا بين متطلبات الأمن الرقمي وحماية الحقوق والحريات من خلال تجريم الأفعال التي تنطوي على اعتداء على حقوق الآخرين أو تهديد أمن المجتمع أو استغلال وسائل التقنية في الابتزاز أو التشهير أو الاحتيال أو نشر المحتوى غير المشروع، وفي المقابل لا يستهدف الاستخدام المشروع لوسائل التقنية أو التعبير المسؤول عن الرأي في إطار الضوابط القانونية. ومن ثم فإن القانون يرسخ مبدأ الاستخدام الآمن والمسؤول للفضاء الرقمي، بحيث يوفر الحماية للأفراد والمؤسسات من الجرائم الإلكترونية، وفي الوقت ذاته يحافظ على الحق في التواصل والتعبير المشروع وفق أحكام القانون والنظام العام والحقوق المكفولة للأفراد.
ترسيخ مبدأ الردع القانوني

يرى الدكتور بدر بن أحمد البلوشي – مستشار إعلامي ومطوّر استراتيجيات الاتصال وباحث في التخطيط الاستراتيجي وعلم النفس في الإدارة الحديثة – أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات جاء في توقيت بالغ الأهمية، في ظل موجة التحول الرقمي المتسارعة التي أعادت تشكيل ملامح التفاعل الإنساني والاجتماعي، ليتصدى لظاهرة باتت تُثير قلق المجتمعات الحديثة وتهد في تماسكها.
ويؤكد د. البلوشي الضوء على أهمية القانون في ترسيخ مبدأ الردع القانوني تجاه ممارسات التنمر الإلكتروني والابتزاز ونشر الشائعات، حيث إن القانون يسهم في تضيق الخناق على السلوكيات الضارة التي تستهدف الأفراد وتؤثر على صحتهم النفسية والاجتماعية، إى جانب ترسيخ منهجية الاستخدام المسؤول والواعي للمنصات الرقمية.
ويتطرق البلوشي إلى ملف حماية الأطفال والمراهقين بالقول: ” يسهم القانون في توفير مظلة حماية أكثر قوة للأطفال والمراهقين، باعتبارهم الفئة الأكثر تعرضًا للمخاطر الرقمية، من خلال إيجاد بيئة إلكترونية أكثر أمانا واحتراما للخصوصية والحقوق الفردية”.
وينهي حديثة بمعادلة واضحة المعالم، قائلاً ” كلما ارتفعت مستويات الحماية القانونية، ازدادت ثقة الأسر بالمجال الرقمي كفضاء للتعلم والتواصل والإبداع، وتراجعت مساحات الإساءة والتضليل، بما ينعكس إيجابا على تماسك المجتمع ويحافظ على قيمه وهويته في العصر الرقمي”.
مواكبة المتغيرات المتسارعة

ويؤكد م. علي بن طالب الشيادي – مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي – أن القانون يشكل منعطفاً تشريعيا متقدما في مسيرة سلطنة عُمان نحو بناء عالم أكثر أمناً واستقراراً، كما يعكس القانون إدراكًا وطنيًا متناميًا لحجم التحديات التي فرضها التحول الرقمي المتسارع على المجتمعات الحديثة.
ويُوضح الشيادي أن تنامي الإقبال على منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات أفرز أنماط مستحدثة من الجرائم الإلكترونية التي باتت تستهدف الأفراد والأسر والمؤسسات دون استثناء، مما استدعى تطوير المنظومة القانونية بما يواكب هذه المتغيرات المتسارعة ويحافظ على أمن المجتمع وحقوق أفراده. ويتوقع الشيادي أن يُسهم القانون بصورة مباشرة في تعزيز الحماية المجتمعية، من خلال رفع مستوى الردع القانوني في مواجهة ممارسات التنمر الإلكتروني والابتزاز الرقمي وانتهاك الخصوصية ونشر المحتوى الضار.
ويرى الشيادي أن القانون يشكل رادعًا تشريعياً للحد من نشر الشائعات والمعلومات المضللة التي تنتشر بسرعة هائلة عبر المنصات الرقمية، والتي لا تقتصر آثارها على تضليل الأفراد، بل تتخطى ذلك إلى تهديد استقرار المجتمعات وإلحاق الضرر بالمؤسسات والتأثير في الثقة العامة. ولذلك فإن تعزيز المساءلة القانونية في هذا المجال يعد عنصرًا أساسيًا في حماية الفضاء المعلوماتي الوطني.
ويُلفت الشيادي إلى أن من الآثار الإيجابية للقانون على الجانب الاقتصادي تتمثل في تعزيز الثقة في الخدمات الحكومية الإلكترونية والتجارة الرقمية، لأن شعور المستخدم بأن حقوقه وبياناته ومصالحه محمية بموجب تشريعات فعّالة يزيد من ثقته في التعاملات الرقمية، مما ينعكس إيجابًا على مسيرة التحول الرقمي والتنمية الاقتصادية المستدامة.
ويخلص الشيادي إلى أن تحقيق غايات القانون يظل رهينًا بمدى تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام والأسرة لنشر الوعي الرقمي، مشيرًا إلى أن القانون يوفر الإطار النظامي، بينما تُسهم التوعية والتثقيف في الوقاية والحد من السلوكيات الخطرة قبل وقوعها، حتى يجني المجتمع ثمار هذا القانون الذي يعتبر استثمارًا استراتيجيًا حقيقيًا في أمن المجتمع الرقمي ومستقبل الاقتصاد الرقمي في سلطنة عُمان.