آراء الكتاب

مرتضى بن حسن يكتب: التحديات التي تواجه عمان.. الامن الغذائي مرهون بتطبيق التكنولوجيا الحيوية “9”

المسار  |  آراء الكتاب

الكاتب مرتضى بن حسن بن علي

التحديات التي تواجه عمان.. الامن الغذائي مرهون بتطبيق التكنولوجيا الحيوية “9”

تحديات خطيرة بدأت بالظهور في دول الخليج العربية في بدايات انتشار جائحة كورونا، تتعلق بالأمن الغذائي لهذه الدول التي طالما اعتمدت لعقود طويلة على استعمال الإيرادات المالية الضخمة المتأتية من بيع النفط، لاستيراد القسم الأكبر من احتياجاتها من السلع الأساسية، فأزمة تفشي فيروس “كوفيد–19” فرضت تحديات جديدة على هذا الصعيد، نتج عنها  اهتمام تلك الحكومات للبحث عن طرق بديلة لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية لشعوبها، والحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية هو توفير الحد الادنى من التغذية الاساسية لأبنائها من تلك الاحتياجات بانتظام وفي كل الظروف، فالعديد من الدول المصدرة للغذاء حول العالم تفضل الاحتفاظ بسلعها الغذائية  كمخزون إستراتيجي في وقت الأزمات، الامر الذي قد يسبب أزمة في المواد الغذائية الرئيسية لدى الدول المستوردة  للغذاء.

في عمان، كما في دول مجلس دول التعاون الاخرى، يزداد اعتماد تلك الدول  على الخارج لتأمين احتياجاتها الغذائية، خصوصاً مع استمرار النمو السكاني وشح المياه، وقد يشكّل الأمن الغذائي في منطقة الخليج  أزمة حقيقية  بسبب الاعتماد بنسبة 90% على استيراد احتياجاتها الغذائية من الخارج.

بدايات الاهتمام بالزراعة الحديثة في عمان، كانت بعد تصدير اول شحنة من النفط في عام ١٩٦٧م عندما تقرر إقامة بعض المزارع النموذجية، وبعد النهضة المباركة تم تأسيس دائرة للزراعة في عام ١٩٧١م،  والتي أستمرت إلى عام ١٩٧٥م، وخلال هذه الفترة تم انشاء محطات بحوث ومراكز التنمية الزراعية، وفي عام ١٩٧٥م أنشئت “وزارة الزراعة والأسماك والنفط والمعادن”،  وفي خلال نفس الفترة أنشئت أول شركة زراعية حكومية “مزارع شمس عمان” مع شريك هولندي، كما تم إنشاء  مزرعتان كبيرتان في صحار وصلالة  تقومان بإنتاج الالبان والخضراوات، وتم تصدير بعض الخضار إلى هولندا، كما تم في نفس الفترة تشكيل شركة أعلاف ظفار، ولكن إجمالا لم تتمكن وزارة الزراعة في عهودها المختلفة من تحقيق أية إنجازات زراعية او سمكية او حيوانية ذات اهمية تذكر، باستثناء السنوات الاخيرة، كما لم تقم  بإيجاد حلول علمية مؤسسية  لها، على الرغم من قيام الوزارة بعقد اتفاقية مع شركة جايكا اليابانية المشهورة والتي أعدت  خطة للتنمية الزراعية “١٩٩٠-٢٠٠٠”.

في عام ٢٠٠٧م وبأوامر من جلالة السلطان الراحل – طيب الله ثراه – بعد حصول الازمة العالمية في الغذاء، تم تشكيل لجنة للأمن الغذائي لدراسة زراعة القمح، واُخرى لدراسة زراعة  مليون نخله، المهم أن معظم  الجهود التي بُذلت لم تكن تتم بشكل مؤسسي كاف، بقدر ما كانت تتم وفقا للاجتهادات الشخصية. سياسات توزيع الاراضي الزراعية أدت الى نتائج عكسية، اذ تحولت أكثريتها إلى مزارع ترفيهية، كما ان إتباع الطرق التقليدية للزراعة، أدت إلى تأكل التربة وتعريتها، والانتشار العمراني العشوائي، هو الاخر ساهم بالتخلي عن مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، كما أن اساليب الري البدائية، أدت إلى زيادة كبيرة في نسبة ملوحة الارض، لقد تظافرت كل هذه العوامل لتجعل من رفع مستوى إنتاجية ما تبقى من الاراضي الزراعية  الصالحة، أمرا في غاية الأهمية، يستوجب التوقف من إتباع الطرق البدائية للزراعة، أو زراعة منتوجات تقليدية ذات قيمة متدنية،  وتستنزف كميات هائلة من المياه الجوفية، فالعالم المتقدم هجر هذه الطرق منذ مدة طويلة وحقق تقدما مذهلا.

مواجهة الفقر الزراعي لا يمكن أن يعالج ببعض الاصلاحات الفنية أو القرارات الادارية أو الإجرائية، بل بحاجة لمعالجة الجوانب الهيكلية والثقافية والعلمية من المشكلة الزراعية، وحيث أُخفقت جميع الحلول الأكثر تقليدية في حل المعضلة،  تركّز الاهتمام في الآونة الاخيرة على التكنولوجيا الحيوية، باعتبارها حلا ممكنا، ويُقصد بالتكنولوجيا الحيوية، أية طريقة تستخدم أعضاء حية، او تلجأ إلى معالجات معينة، لإيجاد أو تعديل المنتوجات ولتحسين سلالات من الحيوانات والنباتات، او لتطوير أعضاء حية دقيقة، بغية استخدامها في أغراض محددة.


استخدام  التكنولوجيا الحيوية -يمكن اعتبارها- مرحلة متقدمة تماما في محاولات الجنس البشري لإنتاج النباتات والحيوانات، وليست هذه بقضية جديدة، وإن كان فهم العملية وسرعتها هي بالجديدة، فقد سعى المزارعون منذ الاف السنين لتحسين المزارع والمواشيء عن طريق التربية الانتقائية، اعتقادا منهم بوجود عنصر داخلي مهم في تحسين المواصفات المرغوبة وإزالة الصفات السيئة، واليوم نرى مهندسو الهندسة الوراثية يستطيعون عن طريقة التأثير على الجينات، على إنجاز محاصيل محسنة في غضون أشهر او سنوات، بدلا من العقود، التي تستغرقها أساليب التنمية النباتية التقليدية، ولابد لجامعاتنا في إجراء بحوث علمية من أجل إحداث  تحسينات زراعية وحيوانية وسمكية ملموسة، او حتى طفرات نوعية زراعية وحيوانية.

الإنجازات التي تحققت في الحقل الزراعي في العالم المتقدم عديدة ومذهلة، إنها باختصار تتراوح بين حقن الماشية بهرمون النمو، بغية زيادة إنتاجها من الحليب “او اللحم او الجلد حسب الرغبة”، كما تتمثل بإيجاد نباتات مقاومة للفيروسات والحشرات وإنتاج محاصيل لا تتأثر ببعض المبيدات المستخدمة للتخلص من الأعشاب الضارة، مما يسمح للمزارع باستخدام تلك المبيدات بدون تردد، وكذلك تشمل على إنتاج محاصيل تتلاءم مع جو معين وتربة معينة، تنمو في التربة المالحة او في المناخات الحارة، او التي تتمتع بموارد مائية قليلة.

لقد حقق الانتاج الزراعي العالمي توسعًا كبيرا بسبب استخدام التكنولوجيا الحيوية، حيث ارتفع الانتاج العالمي من الغذاء خلال الفترة ١٩٧٠-٢٠١٠ بوتيرة أسرع  عن أية مرحلة سابقة في التاريخ، تصاعد الحصاد العالمي من الحبوب ٣٠٠ ضعفا، وشهد إنتاج المحاصيل الجذرية واللحوم والحليب والاسماك والفواكه والخضراوات نموا هائلا، تلبية للطلب العالمي المتزايد على الغذاء، نتيجة للنمو السكاني وارتقاع مستويات المعيشة، كما تم استصلاح ملايين الهكتارات من الاراضي الجديدة، واستخدمت آلات اكثر تطورًا وازداد استعمال الأسمدة الكيمياوية ووسائل الري الحديثة. ونتيجة للتقدم الكبير في مجال التكنولوجيا الحيوية والذي تمخض عنه، إنتاج سلالات زراعية جديدة اكثر تطورا، تم إنتاج انواع جديدة من الأرز المهجن الذي يتمتع بقدرات أعلى على مقاومة الأمراض والحشرات، ولم يرتقِ المحصول الزراعي من حيث النوع فقط بل من ناحية الكم ايضا، حتى وصل احيانا الى أربعة أضعاف مستويات الانتاج السابقة، وتستطيع الإنجازات العلمية الكبرى ان تقدم المساعدة لحل المشاكل المرتبطة بانخفاض وتدني جودة التربة، إضافة الى عدم كفاية الاراضي الصالحة للزراعة.

العالم المتقدم هو المنتج الرئيسي للغذاء ولذلك  تزداد تبعيتنا للخارج، كما تعتمد عليه اكثر من مائة دولة، واذا أُصيب الإنتاج هناك لخلل كبير، نتيجة الجفاف او الأمراض او الحروب او تبدل الطقس او لأسباب سياسية، فإن  نتائج ذلك سوف تكون كارثية علينا، ومن ناحية أخرى من الصعب ان نتخيل ان الدول الصناعية، التي خصصت كميات هائلة من أموال الدعم الحمائية، لتمتلئ مخازنها بالاحتياطيات، أن تستمر في ذلك لفترة طويلة، مما يعني ان الاسعار سوف  ترتفع.

الاهتمام بالزراعة والثروة الحيوانية والسمكية، لن يساهم  في توفير الحد الأدنى من الامن الغذائي فقط، بل سوف سيساهم  ايضا في تقليل وارداتنا والمساهمة في صادراتنا، وتعزيز ميزان المدفوعات، وفي تنويع مصادر الدخل، وتوليد فرص عمل جديدة لشبابنا، كما إنه  سيوفر  وظائف في الأنشطة التي سوف تولدها الزراعة والثروتين الحيوانية والسمكية، مع تزايد اهمية الطلب على التجميع والتخزين والتصنيع والخدمات اللوجستية، ولأصحاب الجرارات والسائقين وفني التصليح اضافة الى ظهور العديد من فرص العمل في الزراعة غير التقليدية ذاتها، لذلك الاهتمام بهذه التكنولوجيا لم يعد  ترفا بل مطلبا إستراتيجيا ، ولابد أن يوضع في قمة الأولويات الوطنية الملحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock