2023aug23مقالات الرأي

نورة المالكي تكتب: قهوة المعصرات في بيئة العمل

المسار | آراء الكُتاب

نورة المالكي

 تجلس أمي وقريبتها (صديقة عمرها في ذات الوفت) منذ أكثر من خمس وعشرين سنة على الفوالة (أو ما يسميها بعضهم القهوة) في فترة ما قبل الظهيرة ثم في وقت العصر، حيث تكون دلة القهوة العمانية العنصر الرئيس ضمن الجلسة، بالإضافة إلى وجود الفواكه وبعض المحليات في بعض الأيام. أتعمد أحيانًا أن أسترق هذه الأوقات وكذلك يفعل إخوتي لمشاركتهن هذا العهد القديم والذي ما زال مستمرًا. لقد أدركت كيف يمكن للعلاقات العميقة الوطيدة أن تبنى طوب طوب، وكيف يمكن للقاء ظاهره تجمع حول لذة طعام أن يعالج ما تخلفه الآثار اليومية من الهموم والمشكلات والأهوال الاجتماعية!

على الجانب الآخر، يذكر المؤلف – كيث فيرازي – شيئًا مشابهًا، فـفي نادي الورق الخاص بأمه في بلدة لاتروب، والذي تجتمع فيه مع ثماني سيدات، يجتمعن كل شهر بصورة دائمة على مدى أربعين سنة، يتشاركن فيه أحلامهن الخاصة بعائلاتهن، لحظات سعادتهن وتحديات زيجاتهن، وخيباتهن المتكررة، وحتى التعبير عن غضبهن عن زيادة أسعار التواليت، إضافة إلى أمور كثيرة من شؤون الحياة… يضيف معبرَا عن سعادته كيف أثرت هذه اللقاءات على أمه إيجابًا خاصة بعد وفاة والده.

بعد أكثر من ثماني سنوات عمل أرى كيف أننا كموظفين نموت كل يوم بسبب غياب الروابط الاجتماعية (الإنسانية) داخل العمل. ليس بالضرورة أن تكون هذه العلاقات على شكل صداقات ولكن على الأقل، علاقات تجمع بين الموظفين على كوب قهوة أو شاي كرك في استراحة قصيرة يتحدثون عن أمور ليس لها علاقة بالعمل؛ لأنه وبكل بساطة نحن لست آلات وماكينات تعمل ساعات طويلة؛ بل نحن بشر تحتاج إلى التواصل الاجتماعي باستمرار (وفاعلية). فماذا لو أدخلنا (قهوة المعصرات) في بيئة العمل وأسميناها قهوة ما بعد الظهيرة -على سبيل المثال-؟ أو يمكن أن تنظم عن طريق المدير والموظفين بما يريحهم في مكان العمل ويعزز التلاحم فيما بينهم.

فعلى الرغم من المآخذ التي تؤخذ على قهوة المعصرات وكذلك المناسبات الاجتماعية مثل العزاء في أنها مكان خصب للنميمة والغيبة وأنه يجب علينا أن نؤطرها في نظام يحافظ على أخلاقيات / قيم ما، فأنا ضد هذه الفكرة تمامًا، فبعد معايشتنا للواقع يتبين أن أمهاتنا وجداتنا يؤدين واجب المناسبات ليس من أجل الواجب فقط، وإنما بحثًا عن التواصل الاجتماعي الذي اعتدنه منذ صغرهن وتوارثنه جيلًا بعد جيل. وما أدل على ذلك إلا لفظة ( نواصل) التي سمعتها منذ صغري على ألسنة أمهاتنا لتأدية واجب العزاء، وقد كان قديمًا تتم (المواصلة) لوفاة قريب أو غريب يبعد مسافات طويلة وبعيدة، تذهب نساء الحارة في حافلات تكون مخصصة لهذا الغرض. إن حياة الناس في التواصل الاجتماعي طرق عديدة لا أحبذ أن نسيس هذه الحياة الاجتماعية الجميلة بتفاصيلها وفق قواعد وأنظمة مكانها المؤسسات وليس في حياة التدافع؟

إنه من المؤسف أن يقل التواصل الاجتماعي في الحياة الاجتماعية ككل، وإذا تكلمنا عن الحياة الاجتماعية في العمل فإنها في قمة انهياراتها، فكم لدبنا من موظفين سعداء ببيئة عملهم؟! وكم موظف يرى أن عمله يتعدى إنجاز العمل؟.. لطالما ناديت بضرورة توفير بيئة مليئة بالحياة الاجتماعية، تساهم في تقوية الروابط من أجل الإنسان نفسه ومن أجل تطوير دفة العمل، فلا يكون هدف المؤسسات إنجاز العمل فقط؛ بل الإنجاز بإنتاجية وبإنسانية.

لقد حان الأوان في ظل الضغوطات وقلة التواصل الاجتماعي العميق أن تمد كل مؤسسة موظفيها بمختص نفسي يرجع إليه للاستشارة المهنية والأسرية الذاتية. إن مثل هذه المطالبات ليست كماليات بل ضرورية للحفاظ على الإنسان أولًا وأخيرًا، ولكي لا نصير وحوشًا تفترس بعضها بعضًا في بيئة العمل، وقد يتجاوز ذلك في حياة الموظف الخاصة. فليجرب أي مدير ولو لمرة واحدة أن يجلس على (فوالة) مع موظفيه دون مناسبة.. أو أن يطلب موظف وجبة خفيفة له ولزميله بعد عمل ساعات طويلة مجهدة.. أو يرفع المسؤول سماعة الهاتف ويسأل عن صحة الموظف الذي تغيب اليوم عن العمل، إنها تفاصيل صغيرة يمكن أن تنمو مع الأيام وتبني علاقات مصيرية تزيد من الرضا عن الذات والمؤسسة.

المصدر
المسار - خاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى