آراء الكتاب

نورة المالكي تكتب: متلازمة العافية .. متلازمة الحقيقة

المسار |  آراء الكتاب 

نورة سيف المالكي

أنت الآن في عصر (المرأة الآن -الرجل الآن)، ماذا يعني ذلك؟ في كتاب (متلازمة العافية – خرافة الإنسان الكامل) يشرح المؤلفان كيف تعمل سياسات العالم اليوم على جعلك (إنسانًا كاملًا بمعايير خرافية، إنسان الآني واللحظي، إنسان يفوق قدراته ليكون خارقًا وكلما كنت خارقَا ازدادت فرصة تميزك فاختيارك في فرص العمل والموهبة والنجاح). هذا الكتاب صدمة لكل من اعتقد بهذا الاعتقاد وسلم نفسه لآلة السياسة الجماعية وقال نعم بملء إرادته، أو ذاك الذي لا يرى سوى الانقياد طوعًا لأنه اعتقد مسبقًا أن السياسة تعرف مصلحته وسعادته.

إن هذا الكتاب قراءته واجب لكل إنسان اليوم، ففيه من الحقائق المرعبة التي لم ننتبه لها، وأضيف أنها تجرنا إلى الحضيض بدون أن نعي أننا على شفا حفرة. نحن الآن نشارك في صفقة عالمية مجنونة اسمها (الإنسان الكامل)، الإنسان المثالي الذي يعمل أربع وعشرون ساعة من أجل الإنتاجية وزيادة دخله وتحقيق الثراء، الإنسان الذي يبحث ويعمل ويطور مهاراته في أربع وعشرين ساعة ليصبح في سوق المنافسين في العمل والدراسة وقد لا يحظى بفرصة الفوز إلا أنه يكافح من أجل أن يكون هناك، الإنسان المتوفر دائمًا على شبكات التواصل ليعرض مميزاته، ويسوق لذاته ويستعرض خوارقه لأنه إن لم يفعل ذلك فإنه لن يقبل في (سوق الذات) في هذا العالم، الإنسان المهووس بالعناية بجسده في ألعاب الرياضة والتجميل والتأنق اللاهث وتتبع الصحة المقلق وحساب السعرات الحرارية وشد الوجه والأرداف والنفخ والتفخ… لأن تشييء الإنسان كان الهدف منه أن يصبح المرء منتجًا في سوق العمل، لا الإنتاج العادي في ساعات العمل المتفق عليها في وثيقة الوظيفة بل في ساعات أخرى من اليوم لتكون في قمة المنافسين، وذلك كله فيه وعد الرفاهية والثراء، ولكن هل هذا الوعد متحقق؟ أم أننا أمام مزيد من اللهاث وراء العمل والعناية بالجسد الدقيق وتتبع معايير الذات والاستهلاك أكثر وأكثر في سوق (الإنسان الكامل)؟

كيف استطاعت سياسات العالم إقناع البشر أنهم آلات دون أن تقول لهم ذلك مباشرة؟ كيف صاغت لغة الوعود وصنع (الإنسان الكامل الإيجابي الباحث عن السعادة والرفاهية) بجعله يعمل أربع وعشرين ساعة؟ كيف جعلت منا السياسات (ذوات مسلعة ومشيئة) يمكن أن يسوق بقلق وسعار؟ كيف يمكن أن نفهم أننا أصبحنا أرقامًا في سجل التتبع الصحي في الوزن والغذاء، وأرقامًا في عدد (إنجاز العمل)؟

هل غاية الحياة أن يستعبد الإنسان في جسده وفي عمله وفي رفاهيته وفي إنتاجه؟ وكيف يمكن أن تؤثر عقلية (برامج العافية والنجاح والإنسان الكامل)على حيواتنا في الأسرة والمهنة وعلى مستوى العبادات، والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟ … إنها حياة الرأسمالية الفجة التي أصبحت تحكمنا باسم (الرفاهية الاقتصادي)!

في 270 صفحة ذكر المؤلفان حقائق محزنة حول عواقب كل ذلك على الإنسان الفرد وعلى حياة المجتمع، إلا أنني أرى أن هذه الصفحات لم تكفي ذكر التأثيرات على جوانب أخرى ربما تكون مخفية عنا ، ومع ذلك فإن المؤلفين حاولا تسليط الضوء على الفرد (الباحث عن عمل ومعاناته في تحميله مسؤولية البحث عن عمل، وعن النساء بوصفهن مستهدفات في قضية تسليع الذات، وعن الموظف الذي أوهموه بوعود الأربع وعشرين ساعة في الكفاءة والإنتاج، وعن معاناة المسرحين في العمل في عصر (سوق العمل الخفي)، وعن معاناة البدناء الذين لا يجدون قبولًا بل وتمييزًا لأنهم لا يلتزمون ببرامج العافية، وعن أولئك الذين تمردوا على هذه البرامج والسوق الخفية، وعن تحويل الحياة إلى لعبة من أجل الحصول على السعادة والمتعة، وعن علوم الجذب الخادعة، وعن الحميات الغذائية والطعام وتتبع السعرات الحراريةوعن الحكومات الأبوية التي هي أساس البلاء أعلاه … وغيرها من القضايا التي كانت أدواتها إلهاءً عن القضايا الحقيقية مثل البطالة وارتفاع القلق والاكتئاب والوحدة وعن مشكلات العمل الحقيقية وقضية الباحثين عن عمل … إلخ، وأختم بقول مؤلفي هذا الكتاب “هذه الإزاحة الأيدلوجية هي جزء من تحول أكبر في الثقافة المعاصرة حيث تُستبدل المسؤولية الفردية والتعبير عن الذات بعقلية شخص اقتصادي على طريقة السوق الحرة”.

المصدر
المسار-خاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى