آراء الكتاب

يوسف الندابي يكتب في المسار: يوميات في الجنوب

المسار  |  آراء الكُتاب

يوسف الندابي

كثيرًا ما أقول لنفسي بأن لا شيء يفني عمري مثل تشابه الأيام دون حصيلة، ولا حقيقة كحقيقة التجربة! وها أنا الآن أدون تجربتي في الصحراء.. حيث قررت أن أرسم لي حياة مختلفة وأقوم فيها بتحدي جديد تمامًا، تجربة مُعاكسة لأيامي وتحدياتي السالِفة التي عفا عنها الزمن، كنت لا أكف عن حياة المدينة والتجول في أزِقتها، أستشعر ثقافة المكان والبشر، أما هنا في البيداء حول الرمال العراء كان الوضع مختلف، للمكان قانونٌ وللظروف أعينٌ ولسان، فلا مجال لتغيير الواقع، واقع تملأه جهامة الصحراء دون قسرًا منا، وتمحيه وسادة النوم في الليل، ولكلِ مكان روح وصوت خاص لا يضاهيه شيء آخر، وجدتني هُنا في الصحراء قبل عامين من الآن أتعرف على أماكن جديدة، وتفاصيل أكثر دقة، وأتخذت من بعض الأماكن زوايا، ومن الزوايا حكايات، ومن الحكايات أيام.

وفي الشهر الأول لي في الصحراء قبيل عيد الأضحى المبارك أستهوتني الكتابة، وبالرغم أن الجميع يهرب من ضجيج مولد الكهرباء، إلا أنني كنت أقترب منه كثيرًا لأكون بعيدًا عن الأعين، وبجانبي قنينة ماءٍ “وكوب شاي” أشربه باردًا بعد أن أنتهي من الكتابة، ولحسن حظي أن جميع المواقع تملك ذات المعدات وذات المولدات المزعجة، لذلك كنت أجد مكاني الذي اعتدتُ عليه في كل مرة، فقط الوقت الذي لم أجده صديقًا لي في كل مرة، كنت كأي وافدٍ جديد في مكانٍ ما حيث تعرضت لمضايقات كثيرة حيال ذلك، فما كان علي إلا أن أتقبل أفواههم وتقلباتهم وأطباعهم المختلفة، خصوصًا من أولائك الذين كان لابد أن أشاركهم غرفة النوم الخشبية المتنقلة.

في غمار ذلك كنت أعايش نوعين من البشر، الأول كان كثير الغضب، يوقظه صوت الذباب، فحين عودتي من العمل كنت أمشي على الهواء خوفًا من أن يسمع صوت خطواتي فيستيقظ ويبدأ بالزفير فور فتحِ للباب ووقوع أي شي قريب منه على الأرض، ومع ذلك كان يستقيظ ويعيد دراما غضبهُ كل يوم، كان حادًا غليظ الكلام وقليلا ما يبتسم، وحين يذهب في الإجازة؛ يأتي بديله ذاك المفرط في المرح، الغارق في الضحك، يحفظ عبارة “الأمور طيبة” أكثر من أسمه، ويتحدث مع الجماد كأنما يتحدث مع حبيبته، رأيت الناس مرارًا كيف تفر من الجاد نحو البسيط الضَحوك صاحب الظل الخفيف والروح المبتهجة، لم يكن التأقلم مع المكان كَؤُود بتلك الصورة السوداء وليست بالوردية أيضًا، ولكن تجاوزت هذه المرحلة على أية حال، إلى أن بات التنقل من موقع إلى آخر شهريًا أمر روتيني.

علمتُ بأنّ..

البساطة أجمل من التكلف، وكتمان الغيظ أفضل من التهويل، وأن الظروف الخارجة عن النطاق تصنع منّا شخصًا آخر وحياة أخرى نعيشها، وليس كل فشل بدائي يدعى فشل في النهاية، وأن التعايش أمرٌ يلزمنا، وكل صبر أوكلنا مرادهُ لله أبدله لنا تيسيرًا ورحمة، وختامًا سر الصحراء الأول هو أن تقاوم.

المصدر
المسار

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: