المسار | آراء الكُتاب
حمد خليفة الصالحي

ابني العزيز،
أعلم أنك قد كبرت، وفضولك ودهشتك تزداد يوما بعد يوم، ففاقد الدهشة كائن ميت كما يقال. وأعلم أيضا أن عقلك الطري لا يتوقف عن طرح الأسئلة الوجودية ويلح عليك بالإجابة. فلقد أشار أرسطو إلى هذا المعنى حين قال؛ “إن ما دفع الناس في الأصل وما يدفعهم اليوم إلى البحوث الفلسفية الأولى هي الدهشة.”
من خلقنا؟ لماذا نحن هنا؟ إلى أين نسير؟ لماذا يوجد الشر؟
لقد أجاب الدين عن كل هذه الأسئلة التي أرهقت عقول الفلاسفة وجعلتهم في حيرة من أمرهم لسنين طوال. لم يدع الدين ثغرة إلا سدها بإجابات مقنعة بإيجاز تارة، وبتفصيل تارة أخرى. لقد أخبرنا الدين عن خالق هذا الكون وأوضح لنا صفاته وأسمائه. أخبرنا كذلك كيف بدأ الكون وكيف سينتهي، ولماذا نحن هنا على هذه الأرض، ووضع لنا شرعا نتبعه في حياتنا، ولم يغفل الدين عن إخبارنا عن مصيرنا بعد الموت. وأنبأنا بأن الحياة الدنيا فيها الخير وفيها الشر فألهم كل نفس فجورها وتقواها. وأخبرنا بأن الإنسان خلق في كبد، فلا عجب أن ترى المؤمن مطمئن البال رابط الجأش حتى وهو في أحلك الظروف وأشدها مرارة، كيف لا وهو يعلم لماذا هو هنا ويعلم إلى أين يصير وما هو سبيل الصابرين.
ولكن وفي خضم التواصل السهل، والانتقال المعلوماتي السريع بفضل التكنولوجيا الحديثة بدأت أفكار الإلحاد -وإن كان الإلحاد نفسه كفكر ليس جديدا- تخطو خطواتها الأولى في مجتمعنا لتوهمك بإجابات ساذجة تعارض العقل والمنطق وبأدلة واهية ونظريات أثبت العلم الحديث بطلانها وتحاول اقناعك بشدة بأنه لا يوجد إله ولا بعث ولا جنة ولا نار، كل ما في الأمر أن هذا الكون المعقد وهذه المخلوقات المتنوعة إنما وجدت صدفة وبشكل عشوائي.
“وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)” – الأنعام
بني.. دعني أشرح لك خطوات الإلحاد الثلاثة وإلى أين سينتهي بك المطاف إن سلكت هذا الطريق.
الخطوة الأولى : فكرية
في محاولة لإقناعك بالفكر الإلحادي سيبدأ الملحدون عبر مواقعهم ومنابرهم بتشكيكك بعقيدتك الدينية، وسيعتمدون في ذلك على مجموعة من الشبهات التي جاء بها المستشرقون، سيبدؤون بإلقاء الشبهة تلو الأخرى حتى يقوموا بعمل صدمات عقلية وفكرية للثوابت التي كنت تعتقد فيها. في هذه الأثناء سيقولون لك نحن نعتمد على العقل ونؤمن بالعلم ولا نؤمن بالخرافات في محاولة منهم لإقناعك بأن الدين لا يعتمد على العقل بل سيصورون الدين بانه مجموعة من الخرافات والأوهام. حينها سيبدأ عقلك بالتشتت وفقدان تركيزه وستحدث لك هزة فكرية عنيفة تدخلك في دوامة أفكارهم دون أن تشعر، وستظن بأن هذه الشبهات التي يقذفونها استطاعت هدم أركان الدين واستطاعت إثبات بطلانه. ولأنك يا بني في مقتبل عمرك ولم تقرأ بعد كثيرا، ولم تطلع على ردود العلماء المفحمة على هذه الشبهات فسيبدأ الشك يراودك، ثم ستبدأ في قراءة منشوراتهم ومقالاتهم التي تستهزئ بالدين وستشاهد أفلامهم التي تظهرهم بمظهر العقلانيين والمفكرين المتحضرين، حينها ربما تبدأ في قراءة كتبهم والانغماس فيها دون أن تنتبه إلى أن هناك كتبا أخرى ردت على حججهم وبراهينهم وأبطلتها عقليا وعلميا، بل وكثير من هذه الكتب كتبها علماء كانوا من قبل روادا للإلحاد ثم عادوا للإيمان بأن قطع العلم الشك باليقين بأن هذا الكون لا يمكن إلا أن يكون من صنع مصمم ذكي، وأقرأ إن أردت عن سيرة أنتوني فلو Antony Flew . وأخيرا ستجد نفسك في فخ الإلحاد رويدا رويدا دون أن تشعر.
الخطوة الثانية: نفسية
بني.. ومع مرور الوقت، وبعد أن تقتنع بأفكارهم ومعتقداتهم الإلحادية، ستبدأ عاطفيا في الانتماء لهم ولأفكارهم وخاصة تلك التي يدسون السم بالعسل فيها كقضية حرية المرأة والحريات الجنسية وغيرها من القضايا التي يتاجرون فيها مستغلين التصرفات الفردية السيئة من بعض الناس المنتسبين للدين كشماعة لإثبات وجهات نظرهم. في هذا الوقت ستجد نفسك في صدام مع عائلتك وأصدقاءك ومجتمعك الذي نشأت فيه، وستحدثك نفسك بأن هذا المجتمع يضم مجموعة من المتخلفين الذين يؤمنون بالخرافات ويضيعون حياتهم في طقوس بالية، وتقول لنفسك بأنك لا تستحق العيش هنا بل إن مكانك الحقيقي كان يفترض أن يكون في إحدى الدول العلمانية المتقدمة حيث لا قيود دينية ولا أعراف ولا تقاليد بالية. هذا التنكر للمجتمع سيولد الكثير من الضغائن والأحقاد في نفسك تجاه أفراد مجتمعك، فالمرأة الملحدة ستود لو أنها خلعت الحجاب ولكنها لا تستطيع وستعيش في حنق على المجتمع ودينه الذي يحدد للمرأة ما تلبس وستجد في هذا تعد لحقها في حريتها في أن تلبس ما تشاء. كذلك الرجل الملحد سيكره الذهاب للمسجد لأداء الصلاة، ولكنه سيضطر لذلك خوفا من سطوة أبيه عليه إن تخلف عن الصلاة، وهكذا يبقى الملحد في نزاع داخلي بين رغباته وأفكاره الجديدة وبين قيود مجتمعه الدينية والعرفية، حتى ينعزل عنهم وينطوي بنفسه لتبدأ بوادر الاكتئاب والحالات النفسية والمزاجية تراوده بين الحين والآخر.
الخطوة الثالثة: سلوكية
بني.. وفي هذه الحالة الفكرية الشعورية يعيش الملحد حياته بدون هدف واضح لأنه يعتبر الحياة عبثية، فهو يحاول فقط أن يبحث عن أهداف وغايات تمكنه من العيش بسلام حتى يأتيه الموت. في أحد مؤتمراته الصحفية يقول منتج الأفلام الملحد وودي آلن (Woody Allen) عند سؤاله عن غاية الحياة؛ “أشعر أن الحياة تجربة محبطة، مؤلمة، كارثية، وليس لها أي معنى، وإن الطريقة الوحيدة التي تستطيع من خلالها أن تكون سعيدًا هي أن تكذب على نفسك وتخدعها.” ويقول أيضا؛ “الحياة في الحقيقة ليس لها أي معنى، فنحن نحيا في كون عشوائيّ بلا معنى.” وبالتالي فإن كل محاولات العيش في هذه الحياة وكل ما ينجزه البشر هي من باب إشغال النفس وتشتيت الذهن من ألم فكرة عبثية الحياة كما يدعي.
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) – المؤمنون
كيف يكون للحياة هدف ومعنى، والملحد لا يؤمن بخالق للكون ولا يعترف بالدين ولا بحياة أخرى بعد الموت. فهو لا يعلم سر وجوده في هذه الحياة، ولا كيف أتى ولا إلى أين يصير! عبر عن هذا الضياع والتشتت شاعر المهجر إيليا أبو ماضي في قصيدته الطويلة (طلاسم):
جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقًا؛ فمشيت
وسأبقى ماشيًا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود؟
هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود؟
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مَقُود؟
أتمنّى أنّني أدري ولكن…
لست أدري!
ومع عدم قدرة الملحد على فهم فكرة الحياة والهدف منها وعدم استيعابه لمفهوم الشر في هذه الحياة والمصائب وكيفية التعامل معها يصبح في حالة جزع يرثى لها، ثم يبدأ في التساؤل لماذا أتحمل كل هذا العناء والشقاء؟ ومع كل هذه الأفكار والمشاعر المختلطة باليأس والقنوط يقرر أخيرا بأن ينهي حياته للأبد، حيث لا يؤمن بحياة أخرى بعد الموت، وهكذا يظن بأنها النهاية وللأبد.
في الحقيقة لا أقول بأن الإلحاد هو السبب الوحيد للانتحار ولكنه من الأسباب المشجعة له، وهذا الكلام ليس لدغدغة العواطف والمشاعر، ولكنني أقوله لأن كثير من الدراسات التي تناولت موضوع الإلحاد والانتحار وجدت بأن فئة الملحدين هم أكثر الناس انتحارا. وإن أردت إثباتا لهذا الادعاء فإني أدعوك للاطلاع على دراسة أجريت عام 2002 قامت بها الرابطة العالمية لمنع الانتحار International Association for Suicide Prevention (IASP)، والتي قام بها منسق فريق إدارة الاضطرابات العقلية والدماغية في منظمة الصحة العالمية José Manoel Bertolote واختصاصية علم النفس في الفريق نفسه Alexandra Fleishmann تظهر أن الملحدين هم أكثر الناس يأسًا وأكثرهم عرضة للانتحار، في حين أن المسلمين كانت نسبتهم الأدنى وتقترب إلى الصفر.
وفي دراسة أخرى أجريت عام 2004 نشرت في مجلة طب النفس الأمريكية American Journal of Psychiatry، كانت النتائج كالتالي:
- نسبة الانتحار لدى الملحدين أعلى ما يمكن!
- الإنسان المؤمن أقل غضباً وعدوانية واندفاعاً.
- الدين يساعد على تحمل أعباء الحياة والإجهادات ويقلل فرص الإصابة بالاضطرابات النفسية المختلفة.
- الملحدون كانوا أكثر الناس تفككاً اجتماعياً، وليس لديهم أي ارتباط اجتماعي لذلك كان الإقدام على الانتحار سهلاً بالنسبة لهم.
- ختمت الدراسة بتوصية: إن الثقافة الدينية هي علاج مناسب لظاهرة الانتحار.
كيف لا والدين من أكثر المحذرين من خطر التشكيك بالله ومن خطر الانتحار. يقول الله تعالى ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ) [النساء: 29ـ30]، ويقول النبي الكريم (من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجّأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًّا فقتل نفسه، فهو في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبد) وفي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار).
وأخيرا أقول لك يا بني هذا هو طريق الإلحاد وهذه نهايته..
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123) – طه.
المراجع
-Bertolote, José & Fleischmann, Alexandra. (2002). A Global Perspective in the Epidemiology of Suicide. Suicidologi. 7. 10.5617/suicidologi.2330.
-https://ajp.psychiatryonline.org/doi/full/10.1176/appi.ajp.161.12.2303