ماجد الوهيبي يكتب للمسار: مدينة الآثار وكعبة العلوم والأسرار
المسار | آراء الكُتاب
ماجد بن محمد بن ناصر الوهيبي

كلما أثقلتنا الهموم وأبطأت علينا الغيوم يممنا رُبى المناطق الداخلية حيث الهدوء والسكينة القلبية، وحيث الانشراح والأرواح الزكية، فنستنشق نسمات المنطقة الداخلية وما خلفته الأنفس الرضية حيث تلك الأضرحة النورانية، لكل إمامٍ رضي وعالمٍ وولي وكل فرد تقي عاش على تلك الأرض الطاهرة وترك فيها أثرًا جليًا ونورًا للعيان ليس بخفي، لا سيما نزوى بيضة الإسلام التي كانت ولا زالت تضج بالعلم والعلماء والفقه والفقهاء وبالتقاة النبلاء، واسألوا الإمام اليعربي والمحتسب الخروصي والنور السالمي والمُحنك الريامي والرضي الخليلي واسألوا الثقة السيفي والعلامة الكندي والمفتي العبري والمؤرخ السيابي والقاضي البطاشي واسألوا المجتهد الصبحي، واسألوا النباهنة الأوائل والعوامر الأشاوس والأمراء الحرث وكل من وفد إليها لطلب العلم وكل من كان له أثرٌ بهي، نسيت ذكره هنا أو جهلتُ سيرته، حينما تطوف بنزوى وآثارها الشاهدة وقلعتها الشهباء ومساجد العباد، تلك المعالم النورانية، وضريح الإمام الوارث بن كعب الخروصي، والذي يقبع في منتصف الوادي وله قصة مع العدل لا تخفى عن الجميع، وضريح الإمام الصلت بن مالك الخروصي وهو في الناحية اليمنى من الطريق وأنت متوجهًا لمدينة نزوى، وأضرحة الأئمة الثلاثة وهم الإمام ناصر بن مرشد اليعربي والإمام سلطان بن سيف اليعربي والإمام محمد بن عبدالله الخليلي رضوان الله عليهم أجمعين في مقبرة الأئمة، وتحوي مقبرة الأئمة الكثير من رفات الأئمة العدول عليهم شآبيب الرحمة والرضوان ولذا سميت بهذا الاسم. وصنف البعض هذه المقبرة بأنها تحوي رفات ربع أئمة أهل عمان من المتقدمين والمتأخرين، وذلك بعد البحث في الشواهد والآثار، كما أن تنوف تحوي كذلك بعض الأضرحة أبرزها ضريح الإمام السالمي رضوان الله عليه.
وإذا أكملنا المسير لباقي المناطق والولايات، منها ولايتي بهلاء والحمراء وبها مسفاة العبريين ففيهن من العلماء الأفاضل والتقاة الأعلام من لا يمكننا حصره هنا في هذا المقال القصير العابر، كذلك ما سبق نزوى من مناطق وولايات مثل بدبد وفيها نفعا، وولاية فنجا وسمائل وإزكي وبركة الموز والجبل الأخضر وفرق انتهاءً بنزوى وعلى الجانب الآخر منطقة كرشا وطيمسا ومدينة منح حيث الشموخ ومدينة أدم حيث الأصالة والتراث، وقد ذكرنا هذه المناطق هنا على عجالة ونعتذر عن نسيان منطقة أو ولاية، فوجهتنا في كتابة هذا المقال هي نزوى مدينة الأسرار وكعبة العلوم والآثار، فهناك الكثير من الآثار والشواهد بل والكنوز بين دفتي مدينة نزوى العريقة وبها الكثير من العلوم وقد ذهبت مع أهلها من أولي الفضل و الحلم، إلا من حوى ذلك من أولاد وأحفاد ناهيك عن الحرفيات المختلفة وليس هذا في نروى فحسب بل وفي كل ولاية توارثت هذا المجد التليد، وهذه الحرف العُمانية الأصيلة، مثل السعفيات والفخاريات والفضيات وصناعة الأسلحة العمانية التقليدية ومنها البنادق والخناجر وبعض أدوات الحرث التي تستخدم في الفلاحة و الزراعة، ومهنة صناعة الحلوى العريقة وهناك أسماء براقة في صناعة الحلوى العُمانية، وكل واحدٍ منهم قد أتقن صنعته وذاع صيته، ولكنني توقفت في زيارتي الأخيرة عند الحلاو الصبحي ومعاونه الشريقي وأخذنا من حلوى الصبحي اللذيذة كهدايا للأحبة والخلان وقد ضيفنا منها جزاه الله خيرًا ، وقد طغى عليها عبق ماء الورد الجبلي وقدم لنا القهوة العمانية الفواحة. وبما أن حديثنا عن القهوة فالشيء بالشيء يذكر، فقد أوصل العمانيون القدامى البن إلى أوروبا وذلك عن طريق القوافل التجارية التي تذهب لرحلات تجارية للبصرة منذ قرون ثم منها إلى بغداد ثم إلى الموصل ثم إلى حلب وكانت حلب هي نقطة الوصل بين القنصليات الأوربية و الدولة العثمانية المتمثلة في مدينة إسطنبول حيث أن الدولة العثمانية كانت تسيطر آنذاك على المنطقة كافة، فيذهب قسم من هذا البن إلى إسطنبول ويذهب القسم الآخر إلى بلاد البندقية وقد أسموه أهل البندقية في مذكراتهم بالبن العماني، هذه مداخلة بسيطة ذكرناها هُنا عن توسع تجارة أهل عُمان وهي جزءٌ بسيط من تاريخ عمان الممتد والحافل بالحقائق الموثقة، وقد تمكن أهل عمان من خلال التجارة بالمساهمة في نشر حضارة الإسلام وقد تركوا الآثار والشواهد في الكثير من الأمصار والبلدان والحمد لله حق حمده.
ختمنا جولتنا في مدينة نزوى الجميلة عند بائع عصير قصب السُكر الطبيعي حارث التوبي الرجل التقي والذي كناه الشيخ يحيى بن أحمد الكندي رحمه الله بحارث النخيل وذلك لكثرة صعوده للنخيل لجني الرطب في مواسم القيظ إما للخراف أو للجداد وإما لتهذيب النخل وحارث التوبي هذا من تلاميذ الشيخ يحيى الكندي رحمه الله، كما تعرفنا هناك أيضًا على الشهم عيسى الحراصي من منطقة طيمسا من أعمال ولاية ومدينة نزوى العريقة وبهذا انتهت زيارتنا وقفلنا راجعين لمسقط الشوق والأشواق، كان عددنا في هذه الرحلة ثلاثة وكان رفيقاي في هذه الرحلة هما شقيقي الأكبر خالد والقريب الحبيب خميس بن راشد السالمي الذي سكن معنا في مدينة روي وجاورنا كذلك الآن في العامرات، لا عدمت صحبتهما.