استطلاعات

18 نوفمبر بين ثوب الحزن وتجديد العهد

 استطلاع المسار | سارى عبدالله البلوشي

“اليوم الثامن عشر من نوفمبر هو العيد الوطني لبلادنا والأعياد الوطنية للأمم رمز وعزة وكرامة، ووقفة تأمل وأمل للماضي والمستقبل ماذا فعلنا؟ وماذا سنفعل، وليست المهرجانات والاحتفالات والأفراح سوى نقطة استراحة والتقاط الأنفاس لمواصلة رحلة البناء الشاقة، والانطلاق بالبلاد نحو الهدف المنشود” من خطاب السلطان قابوس -طيب الله ثراه- 18/11/1972
نهضة بزغ فجرها وفتحت للنور نوافذها منذ أن تقلد قابوسها الحكم في عمان في ١٩٧٠م، فجاء صوت النهضة ينادي هبوا جمعا وفرادى، ليبنوا أمجادها معا متكاتفين كصف واحد لا شقاق ولا فتن، حتى غدت عمان اليوم غيرها بالأمس فتبدل ظلامها نورا وأضاء وجهها الذي كان شاحبا، وانطلقت عمان نحوالعلى تبغي التقدم والحضارة، مرتكزة على أساس متين من الدين القويم محافظة على تراثها وعاداتها الأصيلة فظهر التغيير وملامح النهضة في شتى المجالات والميادين. وها نحن اليوم نكمل خمسين عاما على هذه المسيرة الظافرة بالإنجازات الميمونة لباني نهضة عمان الحديثة، السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه ولهذه الأرض الطيبة وأبنائها المخلصين. هذه الحقبة الزمنية تكمل عقدها الخمسين دون بانيها، ففي أول عيد وطني بدون قابوس، كانت مشاعر أبناء الوطن مكتسية بثوب الحزن لفقدان الأب الحنون والقائد الفذ والمعلم المتفرد بل وفقدت الأمة أحد الرموز السياسية الذي كان عنوانا للسلم والسلام والحكمة والوقار. لم ينسى قابوس أبناءه المخلصين وأرضه الطيبة حتى حين رحيله فأوصى بعمان وشعبها الأبي خيرا حين أشار لأن يتولى حكم عمان السلطان هيثم بن طارق لما توسم فيه من خصال تؤهله لحمل هذه الأمانة ليواصل مسيرة النهضة وتطلعات عمان وأبناءها.

سعيد المالكي/ مخرج العرض العسكري 49

يعبر سعيد المالكي، مخرج بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، والذي تشرف بإخراج عدة احتفالات وطنية كان آخرها العيد الوطني 49 المجيد، عن فقد السلطان قابوس في العيد الخمسين لنهضة عمان قائلا: “لا شك أن الفقد كبير وكبير جداً، فهذا الرجل طيب الله ثراه بنى عمان الحديثة في كل شبر من أرضها الطيبة، وعمل عملاً عظيماً لا يقاس بالسنين بقدر ما يقاس بالديمومة” مشيرا إلى أنه يتحدث عن عمان الأرض والإنسان ودولة المؤسسات والقانون، وبتعبير يحمل كل معاني الحزن يقول المالكي: “الآن كيف نتخيل أنه قد رحل وأن نوفمبر المجيد الذي نعيش فيه أفراحنا الوطنية يأتي والسلطان قابوس غائب عنا؟!!”، مؤكدا أنه دون أدنى شك فهي مشاعر صعبة ومتعبة لأن الصورة التي رسمها الشعب طيلة خمسين عاماً في كل احتفال وطني لن يجدها هذه المرة، وأن ذلك الموكب المهيب الذي يصطف العمانيون لتحيته في مساره لن يشاهدونه، إضافة إلى أن تلك الإطلالة الشامخة لن تحضر على شاشة التلفزيون حيث كل الشعب بالانتظار، مشيرا إلى أن ذلك قدر الله حيث نؤمن بأن الموت حق ونؤمن أن الخالق الجليل هو الرحمن الرحيم وأن لكل شيء في هذه الحياة حكمة ولا نقول إلا ما يرضي الله.

وفي حديثه عن تجربته الشخصية، فقد تشرف المالكي ولسنوات طويلة بالإخراج التلفزيوني  لنقل الكثير من احتفالاتنا الوطنية التي كانت تقام تحت الرعاية السامية للسلطان الخالد والذي كان آخرها الاحتفال العام الماضي في قاعدة سعيد بن سلطان في ولاية المصنعة حيث العيد الوطني ٤٩. ويضيف المالكي بأن هذه المهمة طوال تلك السنوات إنما هي مسؤولية عظيمة لكونك أمام شخصية متفردة وفِي حدث سنوي كبير ينتظره كل أبناء عمان. مضيفا على ذلك: “كانت لحظات مميزة لي شخصياً في كل عام، وكانت محطات أتشرف بها في مسيرتي المهنية وكانت ذكريات لا تمحى من الذاكرة”، حيث يأخذنا بوصفه لأن نتخيل الشعور عندما يكون الشخص مخرجا لذلك الاحتفال البهيج، وتلك التحضيرات الشاقة، واللحظات المباشرة والوقت الثمين الذي يتشرف فيه بحضور القائد الباني طيب الله ثراه. ويذكر المالكي بأنه تشرف في مواقع كثيرة في مختلف المحافظات واحتفالات عديدة بالنقل التلفزيوني واصفا ذلك بأن شوقه يزداد في كل عام، فهي مناسبات ينتظرونها جميعا بشغف ويعملون من أجلها بكل احترافية مطوعين لها كل الإمكانات. ويرى المالكي أن الكلمات لا يمكن أن تفي أو تصف كل تلك اللحظات والمشاعر لكونها عظيمة فعلاً وتمثل تاريخاً عظيماً للوطن وأهله وله شخصياً. في المقابل ورغم كل ذلك يؤكد المالكي أن عمان دولة عظيمة ونهضتها ستستمر وتتجدد، وبإذن الله يكون لها قادما أجمل، نظرا لأن السلطان الخالد قد وضع أسس الدولة الحديثة والنهضة الشاملة وسار بِنَا بكل حكمة لدروب الخير والبناء والعطاء، مبينا أن النهضة والتنمية ستستمران في عهد سلطاننا هيثم بن طارق الذي توسم فيه السلطان الخالد الخير لقيادة عمان من بعده، كما أن البناء سيستمر والاحتفالات ستبقى لأنها أحداثاً تمثل أياماً وطنية لا نستغني عنها.

ويستكمل المالكي حديثه، بأن اليوم علينا جميعاً أبناء عمان أن نقف صفاً واحدا خلف مولانا المعظم وأن نواصل معه طريق البناء، مشيرا إلى أن عمان دولة راسخة الجذور وأساسها متين ومستقبلها مشرق دائماً، كما يرى المالكي أن علينا فتح صفحات جديدة للعطاء، فعمان تستحق منا كل الخير والتضحيات. ويقول ختاما: “أدام الله على عمان نعمة الأمن والأمان وحفظها من كل مكروه، ونسأله تعالى أن يحفظ مولانا السلطان هيثم بن طارق المعظم وأن يسدد خطاه ويوفقه للمضي بعمان إلى هامات المجد والسؤدد، كل عام والجميع بخير بمناسبة العيد الخمسين لنهضتنا المجيدة ودامت الأفراح والمسرات في هذا الوطن العزيز الغالي”

 

زهرة العوفية/ رائدة في العمل الإنساني

تبدأ زهرة العوفية، المكافحة، المتطوعة، محاربة الأمية حديثها في هذا اليوم الخالد قائلة: “أول عيد وطني بدون قابوس طيب الله ثراه وتقبله مع الأصفياء من عباده والصالحين، إنه عام ليس كباقي الأعوام فهو إستثنائي، والحزن يحيى في نفوسنا من جديد وكأننا فقدناه بالأمس، فمنذ بداية شهر نوفمبر ونحن نذرف الدموع”. وتضيف العوفية، أن ما يواسيهم اليوم هو الخلف الأمين للسلطان قابوس، السلطان هيثم حفظه الله ورعاه وبارك مسعاه، وهو ما يجعلهم يتناسون الحزن دون أن ينسون السلطان قابوس، فكما تقول: ” فمن ينسى قابوس وتضحياته ينسى فضائل ما بعده وهذا نكران للجميل ونحن شعب لا ينسى المعروف والإحسان وسنبقى شعب محب للخير ومع من يحب الخير ويعمل للخير وهكذا هم سلاطين عمان إرث خالد متوارث من سلالة عريقة والتاريخ يشهد”.

وتخبرنا العوفية عن نهضة عمان بعد مجيء قابوس وما قبل النهضة كما نقل لها الأهل ممن عاصروا ذلك التحول، فقد كان الناس في عيش ضيق قبل عام ١٩٧٠، وكانت عمان تعيش ظلاما دامسا، وجهلا، وعوزا، وانقسامات وحروب أهلية وصراعات مات فيها عدد كبير بسبب الجوع والمرض والحروب. وتضيف على ذلك، أنهم كانوا لا يجدون ما يلبسون ومنهم من يلبس كيس الأرز ليستر بها نفسه، حيث يعتبر غنيا من يملك ثوبا واحدا يستر به نفسه، ومن عنده وجبة طعام واحدة في اليوم مكونة من تمر وقهوة وخبزة واحدة. وقد شهدت العوفية بعض تلك الأيام التي لم تدم طويلا، حيث بزغ فجر النهضة بقيادة المغفور له بإذن الله تعالى والدنا قابوس طيب الله ثراه، وافتتحت أول مدرسة للتعليم النظامي في محافظة الداخلية، وكانت العوفية من أوائل الطالبات اللاتي تم تسجيلهن لدخول المدرسة وكانت فرحتها كبيرة، حيث تجمعن بنات الحي للذهاب إلى المدرسة مشيا على الأقدام ذهابا وإيابا وكن يقطعن مسافة للوصول للمدرسة إلا أن السعادة كانت تغمرهن دون أن يتذمرن. وتشير العوفية إلى أن احتفالات العيد الوطني كانت تقام في منطقة تسمى الرويشية في إحدى مناطق مدينة نزوى العريقة وكن يذهبن مع والدها رحمة الله عليه يمشون لمسافة طويلة لكي يشاهدوا فرق الكشافة والفرق الشعبية التي تتغنى بأجمل الكلمات التي تصف صاحب الجلالة السلطان قابوس وهم استمتاع بهذا اليوم الذي ينتظرونه مدة عام كامل، بل ويتسابق للحضور قبل الوقت، ثم ينتظرون العام المقبل بكل شوق للمشاركة في الحفل، معبرة عن ذلك بأنها كانت أياما مليئة بالجمال.

ومما شهدته وتلمسته العوفية من تغييرات في عصر النهضة، يكمن في إنشاء المدارس والجامعات والطرق والمستشفيات والموانئ والمطارات، بالإضافة إلى الإهتمام بغرس مفاهيم المواطنة قبل كل شيء وهي من أفضل المبادئ التي قامت عليها الدولة الحديثة؛ معللة بأن غرس القيم أفضل من بناء ناطحات السحاب، لذا فهي تردد الحمدلله أن عمان لم تتغير في ذلك مع التقدم بل بقيت صامدة بأخلاقها، الأمر الذي يتمثل على سبيل المثال في الحروب والمقاطعة التي قامت قريبا في دول الجوار ورفضت عمان الدخول في تلك الحروب والمقاطعة الخليجية، فظلت محايدة لاتتدخل في شؤون الآخرين محافظة على موقفها الراسخ، مؤكدة أن هذه تربية قابوسية خالدة راسخة كرسوخ جبال عمان الشماء وتضيف: “هذا ما أكد عليه خير خلف لخير سلف مولانا السلطان هيثم حفظه الله في أول خطاب له بعد توليه مقاليد الحكم بارك الله خطاه وأيده بنصره وحفظه من كل سوء”.

وترى العوفية أن لوفاة السلطان قابوس-طيب الله ثراه- أثرا عميقا على الشعب، إلا أن مايجعلهم يتناسون ذلك الفقد العظيم هو خلفه الأمين السلطان هيثم حفظه الله، حيث أن القرارات التي تم تنفيذها في الأشهر القليلة الماضية ماهي إلى بادرة خير لهذا البلد العظيم وهذا مايجعل الشعب يشعر بالراحة ليتجاوز ألم فقد أعز الرجال وأنقاهم ويردد غفر الله لمن اختار هيثم المعظم سلطانا لعمان لأنه بالفعل كان اختيارا صائبا وفي محله.

وتذكر العوفية أهم حدث يذكرها بالسلطان الراحل طيب الله ثراه وظل في ذاكرتها، وهو يوم أن ألقى خطابه من جمهورية ألمانيا الإتحادية وقال قولته الشهيرة الخالدة مشيرا إلى سبب وجوده خارج الوطن “للأسباب التي تعلمونها”، حيث طمأن شعبه الذي كان يحترق شوقا لغياب قائده، موضحة أن ذلك الخطاب كان بمثابة الخطاب التاريخي للشعب، فالكل كان أمام شاشة التلفزيون يشاهد ويبكي على حشرجة صوت السلطان أثناء إلقائه للخطاب.

وتؤكد العوفية في حديثها أن واجبنا جميعا اليوم تجاه وطننا، هو أن نقف مع سلطاننا هيثم حفظه الله ورعاه، وأن نعمل معا لإحداث التغيير الذي يطمح له كل الشعب متسلحين بالصبر؛ مبينة أن مثل هذه التغيرات بحاجة إلى وقت وصبر ومثابرة من الجميع؛ فالوطن كما تقول العوفية لايحتاج إلى شعارات براقة، إنما بحاجة للإخلاص في العمل من المخلصين من أبنائه لنجعل من عمان درة نتباهى بها أمام الأمم. وإذ تنصح العوفية فهي تبدأ بنفسها أولا في أن نكون مخلصين جميعا لهذا الوطن الذي أعطانا الكثير، لذا علينا التضحية ولو بالقليل.

وفي ختام حديثها تهنئ العوفية السلطان هيثم بهذه المناسبة والسيدة الجليلة وأسرتهم الكريمة متمنية لهم دوام الخير والصحة والسلامة.

مبارك الحمداني/ باحث في علم الاجتماع

في الحديث عن أثر فقد الوطن لقائده الباني، ومدى تقبلهم وتجاوزهم للحدث وحالتهم الشعورية، يقول مبارك الحمداني، باحث في الشؤون الاجتماعية أن المرحلة الانتقالية التي تعيشها الدولة في عُمان بعد وفاة السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- هي مرحلة تكتنفها العديد من الظروف، أولها كيف يمكن للمجتمع أن يتعامل مع حالة الإرث الرمزي والسياسي الذي تركه السلطان الراحل. من زاوية علم الاجتماع الرمزي، يشير الحمداني إلى كمية الرموز والدلالات والصور الذهنية والمعاني الضمنية والشواهد الملموسة والمعنوية التي أطرتها مرحلة الحكم السابقة التي امتدت من عام 1970 وحتى عام 2020، مؤكدا أن ذاكرة المجتمعات غالباً ما تكون عصية على إدارة التحول في الصور الذهنية بشكل مباشر. ويضيف الحمداني قائلا: “لقد أنجز السلطان الراحل ليس فقط نهضة في العمران أو تنمية في البنيان بل استطاع أن يؤسس لنمط من المقولات السياسية نقش ذاكرته في وجدان المجتمع واستطاعت هذه المقولات أن تتحول لاحقاً إلى أساس قيمي وحاضري يسترشد بها المجتمع والمؤسسات في مسيرة ثباته الحضاري”. ويرى الحمداني أن السلطان الراحل قد استطاع التواكب مع الأجيال المتعاقبة على المجتمع من ناحية طبيعة الخطاب، والتمثلات، ومن ناحية رسم السياسات والاستهداف الرمزي بالصور والدلالات والأدوات التي تواكب كل مرحلة بمرحلتها. ويعبر الحمداني في هذ اليوم الخالد بقوله: “إن يوم 18 نوفمبر هو مناسبة استحضار جمعي لكل المنجزات وتشكل رباطاً عقائدياً مجتمعياً يستحضر من خلاله المجتمع الخطوط العريضة التي تؤلفه, والمبادئ الرئيسة التي تشكل نمط الاجتماع السياسي والإنساني, والمشتركات التي تعضد وتدعم بقاءه متناسقاً وظيفياً محافظاً على استقرار النسق السائد”. وحسب تقدير الحمداني، فقد استطاع السلطان هيثم خلال الفترة القصيرة الماضية الاقتراب أكثر من المجتمع وخلق سياق رمزي يتمحور من خلاله حضوره السياسي واقترابه الوطني، مبينا أن الإرادة السياسية للإصلاح والتغيير, ووضوح الخطوات الأولى في المضي قدماً نحو تجديد نسيج الدولة ومعالجة التداعيات الاقتصادية وإعادة الاعتبار إلى مبادئ الحكامة الرشيدة وتنسيق القرار الحكومي وإدماج المجتمع في رسم السياسات العامة، بالإضافة إلى الاستماع والملامسة والاقتراب المباشر من هموم الشأن العام، هي معطيات اختصرت الطريق وأوجدت تآلفاً مباشراً من قبل المجتمع مع القيادة الجديدة. مضيفا على ذلك أنه حتى في ضوء الأوضاع الاقتصادية الحرجة والأوضاع المالية غير المستقرة التي تعيشها البلاد، فإن ثمة رباط سياسي استطاعت القيادة الجديدة من تحقيقه وتأصيله مع المجتمع وكسب القبول الشعبي للسياسات الجديد والدعم المجتمعي لخطوات الإصلاح المعهودة. ويرى الحمداني أن ذلك بداية لتشكل الرصيد السياسي والمجتمعي والوطني والإضافة عليه بالنسبة للسلطان هيثم المعظم، عوضاً عن مسألة تولي السلطان هيثم سابقاً للإشراف على مشروع رؤية عُمان 2040 واتضاح الإرادة السياسية للمضي في تحقيق هذه الرؤية مع مطلع حكم السلطان هيثم، سوف يكسب السياسات العامة رمزيتها ودعمها المجتمع.

ويشير الحمداني في حديثه حول هذا اليوم أنه وبلا شك فإن لهذه المناسبة انطباعها الخاص في وجدان كل العُمانيين، فالمناسبات الوطنية عموماً هي محاولة للتأكيد على متانة الرابط والمشتركات الوطنية في أزمنة الرخاء وفي أزمنة التحديات على حد سواء. ويعتقد ختاما في ظل الأوضاع الراهنة الاقتصادية والانتقالية التي تعيشها الدولة أن عمق المعنى بالنسبة لهذه المناسبة يكمن في أنها تشكل حافزاً للتأمل في واقع الحال والعمل بجد وضراوة لتأكيد الدور الوطني والتكاتف والمسؤولية الوطنية لعبور كل هذه التحديات والوصول إلى عُمان المأمولة كما خطط لها.

حسناء الداوودية/ مدربة معتمدة في ريادة الأعمال ومؤسسة شركة رواد الفخامة للتجارة

تحدثنا حسناء الداوودية، الأم المكافحة التي حصلت على البكالوريوس بعد 27 عاما من حصولها على دبلوم التعليم العام، وهي مدربة معتمدة في ريادة الأعمال ومؤسسة شركة رواد الفخامة للتجارة عن تلمسها لأحداث النهضة العمانية، حيث تبدأ قصتها منذ ولادتها. تقول الداوودية أنها ولدت في الكويت عام 1974م حيث أن والدها قد هاجر وبرفقته والدتها لطلب الرزق منذ بداية الستينات، فولدت الداوودية وإخوتها السبعة هناك، وبعد 10 سنوات عادوا لأرض الوطن. وتكمل حديثها، بأنها لم تكن تعرف الكثير عن عمان قبل ذلك سوى ما يخبراها به والداها أن لهم وطنا اسمه عمان وفيه أهلهم، إضافة إلى ما كانوا يشهدونه من محافل واحتفاليات تقوم بها سفارة السلطنة في الكويت ومهرجانات الكشافة العمانية والأيام الثقافية العمانية التي كان يحرص والدها أن يصحبهم إليها وهو يحيّي كل فرد هناك من قلبه وكأنه يشاهد قطعة من عمان في تلك الوجوه. وبعد وصول الداوودية لعمان تفاجأت أن عمان بلد ما زال في طور النمو وليس مثل الكويت البلد المتطور بكل المباني والعمارات والمدن الترفيهية والشاليهات والحدائق، بل وعندما وصلت إلى صور مقر سكنهم وجدتها مدينة ناشئة لا توجد فيها حتى مكتبة ولا سوبر ماركت أو حديقة ترفيهية، فقط شارع رئيسي واحد، ومستشفى صغير بني من الإسمنت والخشب وخمس مدارس فقط لكافة المراحل للولاية ونياباتها وقراها الجبلية. علاوة على ذلك، أن أغلب البيوت تعتمد على مياه الآبار أو البركة الحكومية لجلب الماء للبيت وكان غالبية الناس من الفقراء وذوي المهن الزراعية والسمكية والقليل منهم المتعلمون والموظفون. ظنت الداوودية أن هذا الحال سيظل مستمرا فكانت في صدمة وحزن، إلا أنها مع مرور الأيام والسنوات انبهرت جدا بالتنمية المتسارعة التي شهدتها ولاية صور وباقي السلطنة. تضيف الداوودية: “في عام 1986م افتتحت جامعة السلطان قابوس وكان أول حلم أذكره منذ وصلت عمان أن أدخل الجامعة وأكمل دراستي فيها”، وتشير الداوودية إلى استمرار الإنجازات لتجد صور فجأة تتوسع، وتظهر فيها المكتبات، وتزداد المدارس، والمحلات، وتتطور الأسواق وتتغير الولاية الصغيرة إلى مدينة عصرية، حيث أصبح الشباب يتجهون للتعليم العالي وبالتالي ظهر الخريجون والمعلمون والمعلمات العمانيون بعد أن كانت مدارسنا غالبيتها معلمين وافدين من دول عربية كما تقول الداوودية، إضافة إلى الممرضين والممرضات، مشيرة إلى ظهور العماني في كل موقع، وأن عمان أصبحت أجمل البلدان في فترة قصيرة، منبهرة في ذات الوقت من حفاظ عمان على حضارتها وتاريخها العريق. وتبين الداوودية أنها لم تعرف أهمية الحضارة إلا عندما وجدت أصالة الإنسان العماني التي لم يغيرها الزمن، كذلك اهتمام الصغير والكبير بممارسة عاداتهم وتقاليدهم رغم اختلاف الزمن وتطور المدنية. عاشت الداوودية مرحلة انتقالية من دولة بدأت بالتنمية ووصلت إلى مراحل الدول المتقدمة خلال فترة زمنية قصيرة تساوي نصف عمرها فقط.

اليوم ونحن نشهد نهضة الخمسين دون باني عمان، فقد كان لهذا الفقد أثره على أبناء الوطن، وهنا تروي لنا الداوودية مشاعرها قائلة: “وقفت الدنيا أمامي وهبط قلبي إلى قدمي عندما أيقظني أبنائي وأخبروني النبأ الجلل، لم يكن يوما كباقي الأيام، ولن يكون أبدا، أذكر أنني لم أستطع أن أوقف دموعي رغم أنني أقف تحت المطر، كانت حرارة الدموع وألم القلب أقوى من مشهد السماء الممطرة، لأول مرة أجد السماء تبكي حزنا وأراني أنظر للمطر ولا أجد سعادة في قلبي لهطوله”، وتصف الداوودية الزمان بأنه توقف في تلك اللحظة وتبعثرت الذكريات، وهي في تساؤل هل ما عشناه هو حقيقة أم خيال؟ هل السنون التي كنا نحتفل فيها هي حقيقة أم خيال؟ هل فقدنا فعلا ملامح الهيبة والجمال والقوة والأصالة؟  فقد كان أقصى أحلام الداوودية أن ترى السلطان قابوس يوما وقد عاشت في عمان 35 عاما ولم تلمحه يوما أبدا، وتقول: “وها هو اليوم يطويه الثرى بعيدا عن ناظري”. متسائلة عن كيف ستكون حياتنا بعد أب عشنا تحت أمره وطاعته 50عاما. وتؤكد الداوودية أن الإيمان بالله والصبر والاحتساب هو فقط ما يجعلنا نتقبل موته -طيب الله ثراه-، إلا أنها ما زالت إلى اليوم لا تقول إلا جلالة السلطان قابوس المعظم لاعتقادها بأنها تخونه فهو صاحب اللقب وهو الذي عرفه لسانها وقلبها، ولا تظن الداوودية أن هناك احتفالا بالعيد دون صاحب العيد فالعيد قابوس وقابوس كان هو العيد.

وتذكر الداوودية أن ندوة سيح الشامخات عام 2013، هي أهم حدث يذكرها بالسلطان الراحل، حيث حضرت الندوة مع زميلتها لتمثيل رواد الأعمال في ولاية صور، والجميل هو أن صاحب الجلالة طيب الله ثراه قد خيم في بهلاء بالقرب من موقع الندوة ليتابع عن قرب مستجدات الندوة يوما بيوم، وتذكر أنها هي وزميلتها قد غامرتا إلى أن وصلتا معسكره -رحمه الله- فمنعهما الجيش وظلتا تسيران بالسيارة لعلهما يلمحان وجهه فقط.

وترى الداوودية أن الآن يحتم علينا الواجب والمواطنة الحقة أن نكمل مسيرة البناء العظيم الذي بدأه وأفنى فيه عمره جلالة السلطان الراحل وهو يعمر عمان ويعلي شأنها بين الأمم، وقد رحل وتركها حاضرة المدن وعاصمة الجمال والسلام والرخاء. وتؤكد الداوودية بأننا نحن اليوم مسؤولون وملزمون بمواصلة العمل بجد، وإصرار وعزيمة لتظل عمان مزدهرة، وتسابق الزمن وتخلد المستقبل المشرق والإنسان العصري، إضافة إلى أن نكون نعم الإنسان العماني الأصيل المحافظ على قيمه وخير مواطن مخلص يتبع قائد النهضة المتجددة لنعمل معا يدا بيد من أجل عمان التي نطمح لأجيالنا القادمة.

محمد الفطيسي/ باحث وكاتب إعلامي في المجال السياسي

يؤكد الباحث والكاتب الإعلامي، محمد الفطيسي بأن العيد الوطني الـ 50 لهذا العام لن يكون كما هو حال الأعياد الماضية، حيث كنا نحتفل به كمناسبة وطنية, ولكن كان وجود جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- جزء لا يتجزأ من فرحة وجمال هذا العيد، قائلا بأن الأفئدة والأنظار كانت تنتظر طلته البهية -رحمه الله-.

ويرى الفطيسي أن تجاوز هذا الحدث المؤلم والمحزن سيستمر لأعوام طويلة, وعقود مديدة , ولن تتمكن الأجيال التي عايشت عهد جلالته “طيب الله ثراه” من نسيانه أو حتى تناسي تلك العلاقة الأبوية الإنسانية بين جلالته وأبناء هذا الوطن العزيز، مشيرا إلى أن هذا الفقد قد أثر في كل جزء من أجزاء هذا الوطن , وفي كل ذرة رمل, وفي كل شيء، مبينا أن ذلك هو حال الحياة الدنيا، حيث لابد من الرحيل،  وعليه مهما كان الفقد مؤلم والشخص عزيز على نفوسنا، فلا نقول إلا ما يرضي الله , وإنا لله وإنا إليه راجعون .

وفي الحديث عن حكمة وحنكة السلطان قابوس الراحل الذي تميز بسياسته الفريدة فيقول الفطيسي: “يكفي أن نقول أننا فقدنا برحيل جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- فرحة وطن, أب, إنسان في زمن فقدت فيه الإنسانية, وقائدا متزنا في عصر الإضطرابات وفقدان التوازنات والهدوء السياسي”. ويضيف على ذلك، أن عمان فقدت برحيله جزءا لا يتجزأ من حركة تاريخها السياسي المعاصر, الحكمة والحنكة في التعامل مع الأحداث والمتغيرات الدولية والإقليمية المختلفة, بل بحق وصدق افتقده العالم بأسره. ويذكر الفطيسي أن السلطان قابوس -طيب الله ثراه- كان وباختصار أحد أهم وأبرز الشخصيات السياسية والقيادية منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين وحتى ساعة رحيله, واصفا إياه بأنه قائدا سياسيا عالميا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى, مشيرا إلى أنه ليس أدل على ذلك من شهادة الغريب قبل القريب, شهادة الأمم المختلفة بين القطبين، بل الأفعال والتصرفات والتوجهات على أرض الواقع السياسي, ويخص في ذلك منطقة الشرق الأوسط, حيث التجاذبات والاستقطابات والصراعات المختلفة .

ويعبر الفطيسي بقوله أن أبناء عمان من الشمال الى الجنوب هم ورثة هذا التاريخ العريق والمجد العظيم الذي خلفه جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه-, وهم حملة هذه النهضة الوطنية إلى العالم , وإن كان من رسالة توجه لهم في مثل هذا الوقت الذي نعيشه وهذا التاريخ أو المناسبة الوطنية التي تمر علينا لأول مرة دون جلالته فهي أن عمان التي أسس نهضتها الحديثة هذا القائد الإنسان أمانة في أعناقهم جميعا, ولابد من المحافظة عليها وصونها، مؤكدا: “إنه من الأمانة والوفاء لعمان التاريخ والسلام والمجد , وللقائد الراحل -رحمه الله-، أن يقف ويسير جميع أبناء هذا الوطن الكريم خلف حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد -أعزه الله-, فهو القائد الذي تسلم راية القيادة وإكمال مسيرة بناء النهضة العمانية من السلطان الراحل -طيب الله ثراه-.

ويدعو الله ختاما بأن يرحم جلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-، وأن يعز جلالة السلطان هيثم بن طارق ويؤيده بحفظه ورعايته, وأن يمده بالبطانة الصالحة التي تعينه على أمر دينه ودنياه وخدمة وطنه, وأن يحفظ عمان من كيد الفاسد الحاسد الحاقد الكائد.

هلال الشيادي/ شاعر عماني

في استقبال العيد الوطني الخمسين المجيد الذي أتى دون والدنا السلطان قابوس -طيب الله ثراه- يعبر الشاعر هلال الشيادي عن مشاعره في هذا اليوم بأمنية كان يرجوها من الله وهي أن نحتفل بالعيد الخمسين بوجود حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد رحمة الله عليه، ليكلل مسيرته المظفرة خلال خمسين سنة باحتفال عظيم يليق به وبالمناسبة المجيدة والعزيزة على كل قلب مواطن عماني، لكن كما قال الشيادي أن الأقدار لها كلمتها حيث تركت لنا العيد بلا صاحبه، والفرحة بلا قلبها والمناسبة بلا مُحيّاها البسام؛ ليشوب فرحنا شوق وسعادتنا حزن، واحتفالنا فقد. في المقابل يشير الشيادي إلى أملهم الكبير بحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ووفقه، ليكمل ما بناه سلطاننا الراحل بكل عزيمة واقتدار.

المصاب الجلل الذي حل بعمان كان أثره عظيما، فكيف خرجت تلك القصائد في رثاء الوالد القائد الباني؟ يحكي لنا الشيادي قصته في ذلك واصفا بأنها كانت لحظات أليمة وموجعة حقا مرت على قلبه وقلوب العمانيين، ويفصل لنا ذلك بقوله: “لا أنسى أنني كتب أبيات الشعر بعد سماعي الخبر بثوان، أشعر لحظتها أن الكلمات وحدها تخرج مع قطرات المطر حينها، وكتبت قصيدة كاملة على تويتر بدون شعور، ثم في اليوم الثاني كتبت رثاءً ثانيا، وفي اليوم الثالث رثاء ثالثا وفي اليوم الرابع رثاء رابعا، وما زال السلطان حاضرا في كل الأماكن والأزمنة”، هنا يؤكد الشيادي بأن كل شيء يذكربالسلطان قابوس، وهذا العيد الوطني تحديدا سيكون ذا لون مختلف وطعم لم نعتد عليه أبدا.

ويوضح لنا الشيادي أن كتابة تلك القصائد لم تكن تحتاج لتذكر مواقف معينة للسلطان الراحل، فهو يرى أن كل وجه عماني وكل ركن على أرض الوطن يدعوك لتكتب وترقب، دمعة الشيوخ، نحيب الأمهات، بكاء الرجال، علامات الحزن في كل طفل، مؤكدا على أن كل شيء حقا يدعوك لترثي هذا الرجل العظيم، قائلا: “قابوس قصيدة تتجدد أفكارها كل يوم فهو ملهم لنا وهو ميت كما كان ملهما لنا في حياته”.

ويوجه الشيادي رسالة لنفسه وللعمانيين جميعا بأن نتعلم من مدرسة السلطان الراحل قابوس بن سعيد، ونفهم رسالته في حب عمان والإخلاص في بنائها وفدائها، مشيرا إلى واجبنا في أن نكون صفا واحدا خلف قيادة من توسم فيه قابوس خيرا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه اللهُ ورعاه.

فكما يعبر عن الأحداث كل في مجاله، فهنا الشاعر هلال الشيادي يعبر عن مشاعره بقصيدة خاصة في هذا اليوم لهذا الرجل العظيم، السلطان الراحل والدنا قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- ، يقول فيها:

“أنساكَ؟!

‫ماذا سأنسى؟ ها هنا وهناكا

‫في كل شيء سيدي ألقاكا

‫في دمعة الشياب؟ حين تذكرو

‫كَ تخللت بين اللحى ذكراكا

بوجوه كل الأمهات؟ بدا لنا

بدعائهن ودمعهنَّ سناكا

‫في لثغة الأطفال؟ حين أراهمُ

‫كلٌ يسائل بعضه ليراكا

وأراك في عزم الشباب وحلمهم

تعلو بأيدي الطامحين يداكا

وأراك في الصدقات إذ أخفيتَها

حتى تجلت في الأنام ملاكا

في كل شيء في عمان أراك في

كرمٍ تمدُّ إلى يدي يمناكا

بين القصائد والخواطر والرؤى

تبدو جميل الوجه في مرآكا

أنساك؟ كم من مسجد أعليته

أصغي له، بعد الأذان تلاكا

‫كم صورة عبرت وكم من مقطع

‫تحيي بنا اللحظات كي نحياكا

‫أصغي إليك تمر من حولي أرى

‫فيك الأناقةَ، حلوَ كاريزماكا

‫أنساك؟ في أحلى اللحون ترددت

‫ذكراك، وانسابت بموسيقاكا

في مسقط تحكي الشوارع كلها

ويرن في سمع البلاد صداكا

للرمل تنهيد وقد رسمتْ به

أسمى أماني الحالمين خطاكا

أرنو لدمع البحر حين تحشرجت

أشجى حروفِ الماء حين رثاكا

آراؤك المثلى نعيش ظلالها

وبذرت للآتي الجميل رؤاكا

وترى عمانُ – ولن تكل عيونها –

لغد فعيناها هما عيناكا

أمست تذكّرني الأماكنُ كلها

لا دربَ أسلكه وما حياكا

ذرفت عواميد الإنارة ضوءها

حزنًا عليك لبعضها تتشاكى

وتنكس الأعلام كل شموخها

لم لا؟ وما علمٌ وما استوحاكا

وأمر بالحارات بين قلوبنا

وإذا بها لا تستطيع حراكا

كل البيوت بكت، بكى تلفازها

حتى الجدار إذا مررتُ تباكى

قابوس يا حِب العمانيين، يا

عشق الزمان، عماننا تهواكا

حقا رحلت؟ فأنت حي بيننا

إنى أراك هنا؛ ولست هناكا

تتضاءل الأقباسُ إن هي أُشعلت

حتى تصير إلى الفناء سواكا

قابوس لُحت مع الجبال مهابةً

إن الجبالَ تشير نحو علاكا

أشعلتَ روحَك، كي تَرى أرواحُنا

فالروحُ تأبى أن تغيب لذاكا

ولذاك لا أنساك يا روحًا  بدت

قبسا، وأنك مُشرقٌ بنداكا

الموتُ حقٌ في الورى لكنّ ربي

في الزوايا كلها أحياكا

‫عذرًا لكل الوقت ليس بوسعه

‫مهما تقادم فيّ أن أنساكا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى