هلال الزيدي يكتب: المحتوى وأثره

- إن أثر المحتوى / الرسالة في وسائل الإعلام الحديث يعتمد على النطاق العريض للجمهور الذي يتبنى الموضوع بشكل جدلي مخالف عما طُرح عليه، وبالتالي تتشكّل وتزداد الولاءات في نطاق مخالف، وتسير الآراء مع الكثرة "العدد" دون الاكتراث إلى العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية
المسار | آراء الكُتاب
هلال بن سالم الزيدي*
لطالما اُستخدمت المشاهدات والتفاعلات مقاييس مهمة لمعرفة أثر المحتوى الإعلامي في منصات التواصل الاجتماعي على المجتمع، مما دفع العديد من شركات التقنية في تقديم البرامج الداعمة لتلك التحليلات إلى “استغلال” المشهد ليصبح سلعة رائجة بين مختلف المؤسسات التي لها ارتباط مباشر أو غير مباشر بالجمهور، لمعرفة وقياس مستويات الخدمة / المنتج ومدى قبوله مجتمعياً.. والسؤال المهم هنا: هل قياس أثر المحتوى مهم؟ وهل تُعطي أدوات القياس المستخدمة انطباعًا حقيقياً تجاه خدمة أو سلعة أو رضا مجتمعيًا حول محتوى معرفي؟ وإلى أي حد يمكن للمؤسسات وضع ذلك في صميم خططها الإعلامية؟ وهل يوجد ترابط بين سلوك الأفراد في المنصات الرقمية وقناعاتهم على أرض الواقع؟ وهل استطاعت تلك القياسات تحويل توجهات الجمهور من قضايا مجتمعية أساسية إلى قضايا موجهة؟
جملة من الأسئلة شُخصت من قبل أكاديميين وخبراء ومهتمين، تقاطع بعضهم واتفق آخرون بناءً على جملة التحيزات الفكرية في تعريف تلك القياسات، إلا أن العبرة في النتائج التي دفعت “بالمستفيد الأكبر” في تحويل المعرفة أو القناعة إلى أرقام وإحصائيات وجعلها القياس الأبرز في النجاح، دون الإحاطة بمآلات ذلك المحتوى أو من يقف خلفه، وآثاره على المستوى البعيد مع اختفاء المعرفة التراكمية التي تساهم في إيجاد جمهور متذوق، بحكم التدفق “المهول” من المعلومات المكررة والمُحرّفة، وأكثرها “منهوب” مع سبق الإصرار والترصد.
إن أثر المحتوى / الرسالة في وسائل الإعلام الحديث يعتمد على النطاق العريض للجمهور الذي يتبنى الموضوع بشكل جدلي مخالف عما طُرح عليه، وبالتالي تتشكّل وتزداد الولاءات في نطاق مخالف، وتسير الآراء مع الكثرة “العدد” دون الاكتراث إلى العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية، باعتبار أن الفرد /المستخدم في وسائل التواصل يميل وبقوة في تأسيس رأيه طبقاً لموقف الأغلبية وفق الإحصائية في المنصة المتواجد فيها، في المقابل يتّبع الآخرون أو المعارضون الصمت المطبق خوفاً من ردة فعل الأغلبية ووضعهم في نطاق العُزلة “التواصلية” في تلك المنصات، وبالتالي يكون صمتهم رفضاً لا قبولاً، وهذا ما توضحه نظرية “دوامة الصمت” التي وضعتها الألمانية إليزابيث نويل نويمان عام 1974، والتي اعتبرت من أدق وأهم النظريات التي فسّرت سلوك الجماهير تجاه الحدث / المحتوى.
من هنا يتكّون بما يعرف بالجمهور الجديد المتوافق مع ما يُطرح أو غير المتوافق، أي: نرى وبوضوح تام جمهور واحد برأي واحد، فعلى سبيل المثال: إذا عبّر مجموعة عن رأيهم تجاه خدمة / سلعة برأي سلبي لأنها لا توافق متطلباتهم أو فهمهم، فإن ذلك الرأي يتمدد ويكبر، وعلى أثر ذلك يتشكّل جمهور يبحث عن كل السلبيات تجاه تلك الخدمة أو السلعة أو العكس وهذا نادر ما يحدث، وبالتالي تختفي كل الإيجابيات لمؤسسة “ما” نظير تلك القناعات أو التحيزات/ التحزبات مما يؤثر في مسار أدائها ومستويات رضا الجمهور.
إن التعارض مع الإحصائيات كمقياس؛ لا يمكن أن يؤخر التقدم في الاهتمام بثراء المحتوى الرسمي أو غير الرسمي، في المقابل من الجيد عدم الاعتماد على “الأرقام ومؤشراتها” كمعيار تقييم، وإنما إضافة أدوات أخرى تساند الأشكال التي تعتمد عليها الإحصائيات المتمثلة على سبيل المثال لا الحصر في التعليقات والمشاركات ـ الإعجاب والتقديرـ المشاهدة والاستماع ـ مشاركة المحتوى ـ الانطباع والنقد، وهي من الأدوات التي تعتمد عليها وتتقنها شركات التقنية في امتداد شبكاتها.
لقد وضع بعض الباحثين أدوات أخرى لقياس أثر المحتوى على الجمهور ربما تكون بديلة أو مساندة تتمثل في السياقات التي تكّون بيئة المرسل والمستقبل لا سيما الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية وهي من الأمور المهمة في اعتماد القياس من عدمه، حيث أن النتائج تكون دقيقة وواقعية تلامس متطلبات الفترة الزمنية المعنية، إلى جانب معيار الدوافع أو المقاصد التي دفعت بالفرد / المجموعة للتفاعل مع المحتوى، بالإضافة إلى معيار الطريقة أو الطرائق المنقسمة بين معرفية وعاطفية، فهل يُغذي المحتوى الجمهور معرفياً (روحياً / فكرياً) أم يحفّز لديه (الغرائز) ويشعل العواطف لتبنيه أو الإيمان به، مع الوضع في الاعتبار شدّة التعرض للمحتوى ومدة العرض، مع إعطاء كل مجال خصوصيته في قياس أثره في المجتمع، لإيجاد توافق بين الجهد والمال المبذول والعائد منه على المؤسسات.
#بين_هلالين
“الكلمات هي الإطار الذي يطوّق الأفراد، وتضعهم في دائرة تجعلهم يؤمنون بكل شيء “.
- كاتبٌ وإعلامي
alzaidihilal@gmail.com