صالح الحمداني يكتب: الثقة رحلة نضج
المسار | مقالا الرأي
صالح بن سعيد الحمداني

تتشكل الثقة بالنفس مع مرور الأيام وتنمو من خلال التجارب التي يخوضها الإنسان، والمواقف التي يمر بها، والقرارات التي يتخذها في مختلف مراحل حياته، فهي رحلة متواصلة يتعلم فيها المرء اكتشاف قدراته، وفهم إمكاناته، والتعامل مع نقاط ضعفه بوعي وهدوء، ومع كل تجربة جديدة، تتكون لديه معرفة أعمق بذاته، ويصبح أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة بثبات واتزان، وقد يظن البعض أن الثقة بالنفس صفة يولد بها الإنسان وأنها ترتبط بطبيعة الشخصية منذ الطفولة، غير أن الواقع يكشف عن صورة أكثر اتساعًا؛ فالثقة تنمو بالتدريج، وتتأثر بما يعيشه الإنسان من نجاحات وإخفاقات، وما يكتسبه من خبرات ومعارف، وكلما أتيح له أن يجرب، ويتعلم، ويعيد المحاولة، ازدادت قدرته على الاعتماد على نفسه، وتكونت لديه قناعة أكثر رسوخاً بقيمته وإمكاناته.
تبدأ رحلة بناء الثقة بالنفس غالبًا من إنجازات بسيطة قد تبدو عادية في نظر الآخرين ولكنها تحمل قيمة كبيرة لدى صاحبها، فالطالب الذي يبذل جهدًا في دراسته ويحصل على نتيجة جيدة، ثم يواصل العمل ليحقق نتيجة أفضل، يبدأ تدريجيًا في تكوين صورة إيجابية عن قدراته، ومع تكرار هذه التجارب، يكتشف أن الاجتهاد قادر على إحداث تغيير حقيقي، وأن التقدم يحتاج إلى صبر واستمرار، وينطبق الأمر ذاته على الموظف الذي ينجز مهامه بإتقان.
وتكمن أهمية النجاح المتكرر في أثره العميق على نظرة الإنسان إلى نفسه، فحين يرى نتائج جهده أمامه، تتعزز لديه قناعة بأنه قادر على التعلم والإنجاز وتتحول عبارة «أنا أستطيع» من مجرد أمنية إلى شعور يستند إلى تجارب واقعية، ومن هنا تزداد رغبته في خوض تجارب جديدة، وتتسع أمامه فرص التعلم والتطور، وتظهر القيمة الحقيقية للثقة بالنفس عندما يواجه الإنسان مواقف صعبة.
وتبرز هذه الحقيقة بوضوح في المواقف التي يشعر فيها المرء بالارتباك أو الخوف من نظرة الآخرين، ولكن التجربة نفسها يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق جديدة إذا تعامل معها بوعي.
إن تجاوز الصعوبات يمنح الثقة عمقًا حقيقيًا لأن الإنسان يكتشف من خلاله أنه قادر على الاستمرار رغم الخوف، وأن التعثر لا يلغي إمكانية النجاح، وكل موقف يتعامل معه بشجاعة ومرونة يضيف إلى خبرته شيئًا جديدًا ويجعله أكثر استعدادًا لمواجهة ما قد تحمله الأيام من تحديات، وترتبط الثقة بالنفس في صورتها الناضجة بالهدوء والاتزان، وتظهر في طريقة الإنسان في التعامل مع المواقف المختلفة، فالشخص الواثق يعرف قيمة صوته ورأيه، ويستطيع التعبير عنهما دون حاجة إلى رفع نبرته أو التقليل من الآخرين، كما يدرك أن الحضور الحقيقي يتشكل من قوة الفكرة، وحسن التصرف، واحترام الآخرين.
وتمنح الحكمة الإنسان قدرة أكبر على قراءة المواقف قبل اتخاذ القرارات فهو يتأنى عندما يحتاج الأمر إلى التروي، ويبادر حين تكون المبادرة مناسبة، ويعرف متى يتمسك برأيه ومتى يعيد النظر فيه، وهذا الوعي يجعله أكثر قدرة على التعامل مع الاختلاف، وأقل اندفاعًا وراء ردود الفعل السريعة.
أما حين يفهم الإنسان أن الفشل جزء من التجربة الإنسانية وأن النتائج تتأثر بعوامل متعددة، فإنه يصبح أكثر هدوءً في مواجهة ما يحدث، ويتعلم أن يقيم نفسه بناءً على جهده، ووعيه، وقدرته على التعلم، مع الاستفادة من الأخطاء والعمل على تجاوزها، وتقبّل النتائج لا يعني التخلي عن الطموح أو التوقف عن السعي فهناك فرق بين الرضا بما حدث والاستسلام لما يمكن تغييره، ويستطيع الإنسان أن يتقبل نتيجة تجربة معينة، ثم يراجع خطواته، ويبحث عن أسباب التعثر، ويستعد لمحاولة جديدة، وبهذه الطريقة يتحول الإخفاق إلى مصدر للمعرفة، ويصبح النجاح فرصة لتعزيز الخبرة وتوسيع الإمكانات.
إن الثقة بالنفس تتكون من تفاصيل الحياة اليومية ومن النجاحات التي نحققها، والصعوبات التي نتجاوزها، والمواقف التي نتعلم منها، والقرارات التي نراجعها كلما اكتسبنا خبرة جديدة، وهي حالة داخلية تنمو مع الوقت، وتنعكس على طريقة تفكير الإنسان وتصرفاته وعلاقته بنفسه وبالآخرين، وحين يصل المرء إلى قدر أكبر من التصالح مع ذاته يصبح أكثر هدوءً في مواجهة الحياة، وأكثر استعدادًا لخوض التجارب الجديدة.