العدالة التصالحية.. وسيلة ناجعة لإنصاف الضحية وإصلاح الجاني

- أحمد الجهوري: العدالة التصالحية كحل بديل عن الأساليب التقليدية للعدالة
- محمد المخمري: لجان التوفيق والمصالحة تسهم في معالجة كثير من القضايا
- سوسن العجمية: معانٍ سامية تكمن في تطبيق العدالة التصالحية
- مواطنون: نشر الوعي يسهم في توسيع نطاق “التصالحية“
المسار – عبير العجمي
أبرز قانونيون أهمية نشر مفهوم العدالة التصالحية لدوره الكبير في الوقاية من جرائم الثأر والانتقام ومنع تفاقم ا لجرائم برفع الضرر، علاوة على دورها في خفض العبء وتوفير الوقت والجهد والمال على المؤسسات الأمنية والعدلية بما يسهم في تحقيق أعلى معايير العدالة.
وأشاروا في استطلاع لـ”المسار” إلى أن العدالة التصالحية ثقافة، لها حضورها في العمل المؤسسي في سلطنة عُمان حيث أقر القانون أن العديد من الجرائم التي تحرك بشكوى تقبل الصلح. ولابد من الإشارة هنا إلى أن العدالة التصالحية تقتصر على جرائم معينة وبموافقة جميع الأطراف (الضحية والجاني والأفراد الآخرين المتضررين من المجتمع المحلي) في محضر رسمي يحترم كرامة الفرد ويعزز التفاهم والانسجام الجماعي من خلال وجود حلول مرضية.
ولفتوا إلى أن قانون العدالة الجنائية يسهل على المتخاصمين اعتماد طرق بديلة لحل النزاعات ومن ذلك أسلوب التسوية عبر إجراء مصالحة ودية تتفق عليها الأطراف في جلسة مصغرة يتم فيها تهدئة نفس الضحية وجبر الضرر.
وشرحوا أن مصطلح العدالة التصالحية ليس بجديد على المشرّع العربي حيث كان رب الأسرة أو شيخ القبيلة يلعب دور الوسيط في فض النزاعات العائلية أو المالية وغيرها مع مراعاة الظروف الاجتماعية والثقافية وعادات المجتمع. موضحين أن استخدام برامج العدالة التصالحية يمكن في أي مرحلة من مراحل نظام العدالة الجنائية وفقًا للقانون الوطني.
وبينّوا أنه لا ينبغي اللجوء الى العدالة التصالحية إلا عندما تكون هناك أدلة كافية لتوجيه الاتهام إلى الجاني، وبالموافقة الحرة والطوعية من الضحية والجاني. وينبغي أن يكون بمقدور الضحية والجاني سحب تلك الموافقة في أي وقت أثناء العملية التصالحية ، كما يجب التوصل إلى الاتفاقات طوعيا وألا تتضمن سوى التزامات معقولة ومتناسبة ، وفي الأحوال العادية، يتوجب أن يتفق الضحية والجاني على الوقائع الأساسية للقضية كأساس لمشاركتهما في العملية التصالحية ، ولا ينبغي استخدام مشاركة الجاني كدليل على الاعتراف بالذنب في الإجراءات القانونية اللاحقة ، مع مراعاة الفوارق والتباينات الثقافية بين الأطراف، ووضع سلامة الأطراف في الاعتبار لدى إحالة أي قضية إلى العملية التصالحية .
وأجمعوا على أنه عندما تكون العمليات التصالحية غير ملائمة أو غير ممكنة، ينبغي أن تحال القضية إلى سلطات العدالة الجنائية للبت فيها، وفي هذه الحالة ينبغي أن يسعى مسؤولو العدالة الجنائية إلى تشجيع الجاني على تحمل المسؤولية تجاه الضحية والمجتمعات المحلية المتضررة، ودعم إعادة اندماج الضحية والجاني في المجتمع.
نهج قضائي

حيث قال المحامي د. أحمد الجهوري، إن العدالة التصالحية هي نهج قضائي من بين استجاباته للجريمة أن يُعقد اجتماع بين المعتدي والمعتدى عليه، بحضور ممثلين عن المجتمع أحيانا. ويهدف هذا الاجتماع إلى مشاركة تجربة ما حدث، ومناقشة الذي تأذى بالجريمة وكيف كان ذلك، والتوصل إلى إجماع على ما يجب أن يفعله المعتدي ليعوِّض المعتدى عليه عن الأذى الذي لحق به من الاعتداء. مما يُتَّفق عليه عادة أن يدفع المعتدي مبلغًا من المال للضحية، أو يقدم اعتذارًا أو تعويضًا آخر، أو أشياء أخرى لتعويض الذين تأذوا من الجريمة ومنع المعتدي من أن يؤذي أحدًا في المستقبل.
وأضاف الجهوري: يهدف برنامج العدالة التصالحية إلى حَمْل المعتدين على أن يكونوا مسؤولين عن أفعالهم، وأن يفهموا الأذى الذي تسببوا فيه، وأن يُعطوا فرصة ليخلصوا أنفسهم وأن يُصَدّوا عن إلحاق أذًى آخر. أما بالنسبة للضحية، فإن هدف العدالة التصالحية أن يُعطى هؤلاء دورًا في العملية وأن يقلّل شعورهم بالقلق وقلة الحيلة، وقد تأسست العدالة التصالحية كحل بديل عن الأساليب التقليدية للعدالة. وأما عن الفرق بين العدالة التصالحية والعدالة الجنائية قال الجهوري، تبحث العدالة التصالحية في إشراك أصحاب العلاقة في طريقة لمعالجة الأسباب وحلِّ الأمور بينما تبحث العدالة الجنائية التقليدية عن الجريمة ومرتكبها وتوقيع الجزاء عليه.
وأكد الجهوري أن أهمية انتشار مفهوم العدالة التصالحية حيث يؤدي إلى غايتين، الأولى: الوقاية من جرائم الثأر والانتقام فهي وقاية تأتي بعد الجريمة ولكنها تمنع تفاقمها برفع الضرر، والثانية: خفض العبء في الوقت والجهد والمال على المؤسسات الأمنية والعدلية وتحقيق أعلى معايير العدالة؛ ذلك لأن المعنيين بالصلح أكثر التصاقًا بقضاياهم من موظفي الدولة الذين ينظرون في قضايا جنائية كثيرة ويعرفون تفاصيل ظروف كل قضية، ويعنون بتطبيق القانون أكثر من الصلح.
وأشار الجهوري إلى أن لثقافة العدالة التصالحية حضور في العمل المؤسسي وقد قرر القانون أن الجرائم التي تحرك بشكوى وهي جرائم الاعتداء على العرض، جرائم الاعتداء البسيط، جرائم التهديد والسب والقذف، جرائم السرقة وابتزاز الأموال، جرائم الاحتيال، جرائم الشيكات، جرائم إساءة الأمانة، وأخيرا جريمة انتهاك حرمة المساكن والأملاك الخاصة كلها تقبل الصلح.
جذور تاريخية

من جانبه قال د. محمد المخمري عميد كلية القانون بجامعة صحار، إن الجذور التاريخية لمصطلح العدالة التصالحية في سلطنة عُمان تكمن في النظرة الودية لتسوية المنازعات أو العدالة التصالحية باختلاف صورها من المفاوضات أو الوساطة أو التوفيق أو الصلح أو التصالح أو التحكيم ، تعود جذورها التاريخية إلى بدء سن التشريعات، فالمتتبع للتشريعات العمانية يجد أن المشرع العماني قد تبنى العدالة التصالحية وإن اختلفت صورتها من قانون إلى اخر، منها على سبيل المثال نص المشرع بعرض الصلح من القاضي قبل الفصل في الدعاوى الشرعية، ولا يخفى على احد دور لجان التوفيق والمصالحة التي تعالج كثير من القضايا عوضا عن معترك القضاء.
وأضاف: وفي ما يخص تضمين مفهوم العدالة التصالحية في مناهج التعليم العالي القانونية، والمعاهد القضائية في سلطنة عمان فهناك تضمين لها، وإن لم تقُرر صراحة مقررات تحمل اسم العدالة التصالحية إلا أن دراسة المقررات القانونية يستوجب الوقوف على مفهوم العدالة التصالحية، وغني عن البيان طرح مقرر التحكيم في أغلب مناهج التعليم العالي كبديل لحل المنازعات التجارية.
ويرى المخمري أن الطريقة المثلى لنشر التوعية عن أهمية تطبيق العدالة التصالحية وتحسين صورتها هي من خلال الندوات القانونية ومواقع التواصل الاجتماعي.
وتابع: هناك دراسات وبحوث علمية وإحصائيات عن تطبيق العدالة التصالحية في سلطنة عمان، ويأتي اللبس في التسمية حيث إن للعدالة التصالحية أكثر من صورة، ويمكن للباحث في هذا الشأن الحصول على العديد من الدراسات في موضوع بحثه. ويختتم المخمري بالقول: إن من التوصيات التي أنصح بها لاعتماد العدالة التصالحية في المسائل الجنائية وتطبيق العقوبات هي تطبيق نظام الوساطة الجنائية التي تعمل به معظم التشريعات الغربية وبعض التشريعات العربية.
معانٍ سامية

وقالت سوسن حسن العجمية أمين سر في الادعاء العام، إن تطبيق العدالة التصالحية في مجال حماية الأفراد وحفظ كرامتهم يمكن أن تحقق معاني سامية مع التدقيق على الأنظمة القضائية ودورها في تيسير الوصول إلى العدالة، بالرغم من اختلاف السياقات المرتبطة بها مثل ضرورة استصواب العقاب والتركيز على الضحايا ومدى أهمية مشاركة الأطراف المتأثرة، ومن جانب آخر توفير فرص الإصلاح من خلال تشاطر التجارب والاعتذار أو التعويض والوصول إلى تسوية عادلة وضرورة إقامة الحوار بين الأطراف.
وأضافت: كما أنه من المهم تحديد الفائدة من تطبيق عمليات العدالة التصالحية من خلال التطلع إلى تحقيق المصالحة بين الأطراف والتفاوض على نتيجة معينة وإشراك المجتمع المحلي في توفير العدالة.
وتابعت: العدالة التصالحية برنامج آخذ في التطور ينبغي من خلاله إيجاد فهم مشترك للعمليات والنواتج التصالحية وتعزيز فعالياتها بالإضافة إلى استكشاف السبل في إدماج التصالحية في ممارسات العدالة الجنائية وتوسيع نطاق استخداماتها.
غياب الوعي
ويرى المواطن محمد الرئيسي أن مبدأ الصلح أو المصالحة يعتبر من المبادئ النافذة في العرف العربي والتراث الديني، حيث كان شيوخ القبائل وآخرون من أعضاء المجتمع المحلي يجتمعون للنظر في قضايا الناس وشؤون حياتهم، وكان لابد من تخصيص يوم في حال حدوث جريمة أو فعل سبب ضرر مادي أو معنوي فتتشارك مختلف الأطراف مع وجود مصلح أو أكثر من كبار المجتمع.
وتشيرالمواطنة فاطمة الكلبانية إلى قصور الوعي بمفهوم العدالة التصالحية في المجتمع، مشيرة إلى أهمية نشر الوعي بهذا الموضوع لأنه في غاية الأهمية وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة، حيث إن الكثير من حالات النزاع تكون بين الزوجين وعادة ما يلجأ أحد الطرفين مباشرة إلى القضاء في حين أن هناك لجان وأقسام حكومية معنية بإيجاد حلول أخرى ودية.
ويرى المواطن سعيد السعيدي، أن تطبيق العدالة التصالحية في تنام مستمر، لأنها تسعى إلى معالجة الأذى الذي سببته الجريمة باستخدام حلول تصالحية.
ويقول المواطن حمد السعيدي، إن تطبيق العدالة التصالحية في المسائل القضائية تحقق معاني سامية بتغليب جانب السماحة والعفو على منطق الانتقام والعقاب وهذا أمر يعمل على حماية المجتمع ويسهم في نشر الأخلاق الحميدة وتعزيز روح الألفة بين أفراده.