علي الشيادي يكتب: دور الأسرة في تنمية الإبداع لدى الطفل
المسار | آراء الكُتاب
الكاتب علي بن طالب بن زايد الشيادي
AliAlSheyadi@
الأسرة هي المنطلق الأول لاحتواء أفرادها وتنشئتهم بصورة سليمة، إذ أنها تعتبر المحضن الأول لهم، ويتعين على الأسرة الدور الأبرز في تكوين شخصية الطفل من جميع النواحي الاجتماعية والعلمية والتربوية وغيرها.
كما أن الأسرة تعتبر المسؤول الأول عن تحديد سلوكيات الطفل ونمط تفكيره، ورسم مسار حياته، سيما في السنوات الأولى من طفولته، التي يظهر فيها كل ذلك كما يرى علماء النفس.
وبلا شك فإن الطفل في مراحله الأولى تظهر بعض الجوانب الإبداعية عنده، وبالتالي فإن هذا الأمر يتطلب وعيا تاما وإدراكا من الآباء لأهمية احتواء هذه الإبداعات، من خلال توفير جوٍ أسري يتلاءم مع احتياجات الطفل، وتهيئة المناخ من حوله لتتحقق العناية التي تتكون بها الشخصية الإبداعية السوية له.
والشخصية الإبداعية هي تلك التي تستطيع ابتكار وإيجاد الأشياء الجديدة في كل مناحي الحياة من علاقات وأدوات ومواد وغيرها، وعادة ما تحتاج هذه الشخصية للرعاية منذ الوهلة الأولى لبروزها وهي مرحلة الطفولة.
فمما لا شك فيه أن الصناعة الحقيقية لهذه الشخصية، وصقل مواهبها واحتواء قدراتها تكون عن طريق الأبوين أولا، ثم بقية أفراد الأسرة ثم تخرج لتتأثر بالمجتمع المحيط، فتكون الأسرة الصغيرة هي من يضع أولى لبنات الإبداع لدى طفلها، وهي من تغرس نبتته وتسقيها وتغذيها وترعاها حتى تكبر.
وإذا ما أهملت الأسرة هذا الجانب فحتما سيكون الإبداع الطفولي في شتات وضياع، مما ينمي الجانب السلبي للطفل، وهذا الاهتمام – كما أسلفنا – يجب أن يبدأ مع البدء في بروز أي ٍّ من إشارات التميز لدى الطفل.
كما أنه يتوجب على الأبوين وبقية أفراد الأسرة المحافظة على مهارات ابنهم، بل والمضي قدما لمواصلة إبداعه واستمرارية موهبته، وقد يكون ذلك عن طريق تحفيز الطفل وتشجيعه مع كل عمل إبداعي يقوم به، ومتابعته عن قرب، إذ أن لهذا التشجيع أثر إيجابي في نفسه، فهو يساعد على صنع القابلية لديه للابتكار أكثر فأكثر، ولإيجاد حلول إبداعية في كل جوانب حياته، ويحببه في مجاله بصورة أكبر.
ومن الملاحظ أن الطفل السليم الذي يتمتع بالذكاء والفطنة، لا بد له من محاولة إثبات شخصيته وفرض رأيه حتى على الكبار، مما قد يتسبب في ظهور عناده أحيانا، ومشاغبته في أحيان أخرى، ومقاطعته لحديث الأكبر منه سنا، بل حتى تداخله مع أحاديث الآباء والأجداد ومحاولة الدخول معهم في سؤال وجواب، وهذه ظاهرة صحية جدا حسب ما يراه المختصين في الجانب النفسي، وفي هذا تقول الأستاذة سارة بنت محمد حسن في بحثٍ حول الطفل العنيد:
((إن الحديث عن الطفل العنيد يجمع بين اللذة وبين المشقة، في مزيج عجيب غريب، فالعناد عند الأطفال يعد مرحلة طبيعية وتعبير عن الذات والاستقلال وصرخة حرية، ولكنه في نفس الوقت مشكلة لو تعاملنا معها بأسلوب غير لائق قد يتسبب هذا في استمرار هذه الفترة أو اتصاف الطفلـ/ـة، فالشابـ/ ـة، فالرجل والمرأة بالعناد في جميع المراحل مما يؤثر على نجاحه أو يؤثر على المجتمع كله في المستقبل. ))
وقبل ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” عرام الطفل فطانة ” أي ذكاء، لذا فينبغي على كل مربٍ أن يحسن التعامل مع الطفل إذا بدأ في العناد.
ومن الامور المعينة على تربية الإبداع وتنمية المهارات لدى الطفل، إشراكه في اتخاذ بعض القرارات، وتعويده على فطرة تعددية وجهات النظر، وتثقيفه بطريقة تتلاءم مع سنه بأهمية تقبل الرأي الآخر دون الإخلال بحقه في إبداء رأيه، فهذه الامور كلها تفتح مدارك الطفل، وتوسع من معارفه، وتزيد من ذكائه وفطنته.
أضف إلى ذلك أن الأسرة مطالبة بتعليم طفلها أهمية تقبل درجات النجاح، فما يميزه هو ليس شرطا أن يتميز به قرنائه و أصحابه، و درجة تفوقه في شيء لا يعني تفوقه في كل شيء، فالنجاح درجات و الإنسان بصورة عامة لا بد له أن يتقبل هذه الدرجات و يتأقلم معها كلٌّ حسب مجاله، و هذا الأمر ينبغي أن يبدأ مع الطفل منذ نعومة أظافره لئلا يصاب بالإحباط من مجال واحد فيؤثر على سائر المجالات التي يبدع فيها .
الشخصية الإبداعية لا شك أنها شخصية مختلفة عن من حولها، فمن أهم الامور التي تظهر مع هذه الشخصية حبها للاستقلال الذاتي ، و العصامية أحيانا ، و حب تملك الأشياء ، و محاولة الظهور أمام الجميع، و كل ذلك و غيره عناصر إيجابية في حياة الطفل المبدع ، و هي عوامل مساعدة تتكامل لتصنع لوحة الإبداع التي يرسمها الطفل في مجاله ، و هي – أيضا – بمثابة رجل المرور الذي يفسح الطريق أمام إبداعاته لتمر بسلام في طريق تحقيق الرؤى الطفولية الإبداعية ، و بمثابة السفينة التي تحمل المهارات إلى بر الأمان لترسو على شواطئ التميز .
وكما أن الأسرة الأبوية هي نقطة الانطلاق لكل طفل، فإن الأسرة المدرسية تأتي لتكون مكملة للدور، وحاضنة أخرى للشخصية المبدعة، فلا بد أن يكون الدور غير منقوص، حتى يصل الطفل لمعنى الإبداع.
همسة أخيرة..
على كل أب أو أم او أخ أو أخت أو معلم أو معلمة أو أي منتسب للإطار الأسري، عليهم جميعا أن يدركوا أهمية تنمية الإبداع لدى الطفل، فلا يعزرونه في وقت رغبته لرفع معنوياته، ولا يحرمونه في وقت حاجته للمساندة، وأن يتعلموا فنون وأساليب التعامل مع هذه العينة من المجتمع، ليكونوا ذخرا له.