علي الشيادي يكتب: شتات مع سبق الإصرار – رحلة البحث عن حرية وهمية
المسار | مقالات الرأي
م. علي بن طالب الشيادي

قد يضيق الأفق أحيانًا لدى من لا يرون الامتداد، وتُظلم الحياة عند من يغمضون أعينهم في وضح النهار، فيتشكل لديهم مشهد ضبابي يحجب الرؤية عنهم، ويتكون في أذهانهم وهم بأن لا حل لتحقيق ذواتهم أو امتلاك حرياتهم سوى الهروب إلى المجهول.
هروب غير مُقاسةً أبعاده، ولا معروفة نتائجه، ولا مأمونة تداعياته، وقد يكون فِرار من النعيم الذي لم يُدرَك إلى الجحيم الذي لم يُتوقّع، حين يترك أحدهم سِربه الآمن وموئله المطمئن ويشدّ رحاله إلى حيث يعتقد أنه سيجد ضالته من الحقوق والعدل والانفتاح، ثم يُفاجأ بأيدٍ تتلقفه بلا هوادة وأفواه تلتقمه بشراهة، وقد رسمت له خط سيرٍ على مقاسها، فيقع حينها بين مطرقة هروبه وسندان ما أقبل عليه.
تصاعدت موجات اللجوء السياسي المزعوم إلى بعض البقاع التي جعلت الإنسان خارج إطار اهتماماتها، وبدأت تأخذ حيزًا أكبر من مجرد نقاشات سياسية (كما يخيّل للبعض )، بل انطوت على أبعادٍ اجتماعية وثقافية ودينية وعائلية عميقة عمق التفاصيل التي تحتوي عليها، وانعكس ذلك بوضوح على الأسر التي تجد نفسها أمام الأمر الواقع بفقدان فلذة من فلذات أكبادها في عالمٍ لا يُشبهها، ثقافةً ولا قيمًا.
سراب يُغري الشباب
كثيرة هي قضايا الشباب في المجتمعات العربية -كحال أي شبابٍ في المجتمعات الأخرى- وقد يمر البعض بمراحل من التشكّل الفكري والنفسي، مع المتغيرات التي تطرأ وسط التحديات المتفاوتة، التي تتراوح بين الجوانب الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية والسياسية، بل قد تعصف بالبعض رياحٌ مختلفة قد تصل للجانب الديني والروحي.
في هذه المراحل قد يعتقد البعض أن الخروج من الوسط الذي يحتويه هو السبيل لتحقيق الذات والوصول إلى “الحرية المطلقة”، غافلين أو متغافلين عن أن هذه الحرية قد تكون ضربًا من الخيال يقوم على تصورات سطحية ومبالغات إعلامية، وقد يضطر طالبها إلى تقديم العديد من التنازلات القيمية دون تحقيق ما يصبو إليه، فيصبح كمن قيل فيها “عوراء تنتظر الصبح”.
إن البريق الذي يلمع ليستقطب بعضًا من الشباب فيهجرون أهلهم وأوطانهم بصورٍ مختلفة ليس سوى زيف مؤقت، يغري من لم يترك المجال لذاته أن تتبصر وسط مدلهمات الأمور، وتتعقل بين الأفكار المجنونة، في عالمٍ يعجّ بمنتهزي الفرص ومستغلي البشر.
وتلك المنظمات التي تُقدَّم في المخيلة العامة باعتبارها عوالم مثالية، لا تلبث إلا أن تنكشف حقيقتها، فمهما ادعى أصحابها أنهم هم حيث تُسمع الأصوات، ويُحترم الاختلاف، وتتحقق العدالة المطلقة، فإن هذا الوهم سرعان ما يتبدد، ويكتشف اللاجئون إليهم أن الحياة في تلك الأوضاع ليست كما صُوِّرت، وأن الشعور بالغربة والتهميش قد يكون أشد قسوة ما هربوا بسببه من أوطانهم.
وهم التحرر
لقد أثبت حركات الهجرة من الأوطان واللجوء إلى العالم الغربي أنها وهم ناتج عن صراعات داخلية يُعاني منه بعض الشباب، الذين يعتقدون أن التحرر من العادات والتقاليد الاجتماعية أو القيم الدينية أو حتى القوانين المعمول بها هو سبيلهم للانطلاق، إلا أن هذا التمرد غالبًا ما يأتي نتيجة سوء فهم أو شعور بعدم الانتماء الحقيقي، وليس بسبب مشكلات جوهرية في هذه القيم.
إن التقاليد التي يهاجمها البعض ليست بالضرورة قيدًا على حرية الإنسان، بل قد تكون سياجًا يحميه من التشتت والانهيار، ويُبعده عن الأنياب السامة التي تتظاهر بأنها مصدر الحريات، والدين الذي يُتهم أحيانًا بأنه تخلف ورجعية، هو في حقيقته بوصلة تُوجه الإنسان في مسارات الحياة الملتبسة، ومكمن السعادة الحقيقية، والمنطلق الفعلي لنيل الحقوق والحريات. والتمرد على هذه القيم دون بديل حقيقي يؤدي بالشباب إلى حالة من التيه والضياع، حيث لا يجدون في مجتمعات المهجر ما يمنحهم الاستقرار النفسي والمعنوي، مما يجعل منهم أدواتٍ تحركها جهات أخرى، فيقعون تحت الضغط ليقولون ما لا يحبون، ويفعلون ما لا يرغبون.
بين ألم الفقد وعبء الشعور بالذنب
ولعل من أشد ما يؤلم في هذه القضية هو أثرها على الأسر التي تُعاني الأمرَّين بسبب قرارات أبنائها اللامدروسة وممارساتهم اللامشروعة عندما يختار الشاب الهجرة، يُخلّف وراءه فراغًا كبيرًا، ليس فقط على مستوى الوجود الفعلي، بل على مستوى الدور الاجتماعي والعاطفي الذي كان يشغله داخل الأسرة.
تعيش العائلة حالة من القلق المستمر على مصير ابنها، الذي ترك بلده بحثًا عن سراب، وتُحاصرها أسئلة لا تنتهي: ماذا لو لم يجد ملاذًا آمنًا؟ ماذا لو استغلته المجتمعات الجديدة بأجنداتها المخالفة للشرع والقيم كل شيء؟ والأكثر إيلامًا هو شعور الأهل بالعجز والذنب، فيبدؤون بجلد الذات واتهام أنفسهم أنهم قصّروا في احتواء فلذة كبدهم، ويتساءلون إن كان بإمكانهم فعل شيء ما لاستعادة ابنهم وثنيه عن هذا القرار.
أوطاننا هويّتنا
مما لا شك فيه أن للوطن تحدياته وظروفه التي قد تكون صعبة أحيانًا، والحق كل الحق أن نكون مع أوطاننا في سائر الظروف، ومختلف المسارات، فعزتنا في عزة أوطاننا، ونجاحاتنا في التمسك بقيمنا، والهروب ليس حلًا في كل الأحوال.
إن الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية أو نظام سياسي يمكن تغييره أو استبداله، وليس مسؤول وعامل، بل هو هوية متأصلة في أعماق الإنسان، تترابط مع دينه ولغته وثقافته وتاريخه.
ومن خرج من داره قلّ مقداره (كما يقول المثل)؛ لأن الانتماء للوطن يمنح الإنسان قيمةً تُكسبه احترام ذاته، مهما كانت الظروف، أما الخروج من هذا الإطار إلى عالم مجهول، فهو كالتخلي عن الجذور الضاربة في عمق الأرض التي تمنح الحياة معناها واستقرارها.
المسؤولية الوطنية ودور الشباب
إن تكرر مواضيع اللجوء السياسي الوهمي، والفهم المغلوط له من قبل بعض الشباب، بحاجة إلى وقفة جادة، وفي سبيل الوقوف على معطيات هذا الأمر تبرز مسؤولية مشتركة: مسؤولية الجهات الرسمية في احتواء هذه الفئات بالطرق التي تتناسب مع كل فرد، ومسؤولية المجتمعات تجاه شبابها، ومسؤولية الشباب تجاه أوطانهم.
إذ إن وجود من هرب ومن خطط للهروب لهو دليل على أن ثمة خطأ لا نستطيع إلقاءه على جهة بعينها أو فردٍ بذاته، فهناك من يخرج من أرضه نتيجة خطأ من شخصية معينة دون اتخاذ الأسباب للحصول على الحق، وهناك من يفر بسبب ديون صنعها على نفسه نتيجة سوء إدارته، بل هناك من يهرب نتيجة لعدم السماح له بالتطاول على الآخرين، وهنالك أسباب أخرى في غالبها لا ترقى لأن تكون سببًا لهجران الأهل والوطن، فتعددت الأسباب والهروب واحد.
وحيث إن الشباب هم ثروة الوطن، فلا يمكن للوطن أن يرتقي دونهم، وحيث إن المجتمعات لها الدور الكبير أيضًا فعليها أن توفر البيئة التي تُمكّنهم من النمو والازدهار داخل حدودها، وبما أن الحياة حقوق وواجبات فلا بد من الشباب (ذكورًا وإناثاً) أن يعوا بأن التكاملية في الأدوار والبذل قبل الأخذ من عوامل الانتماء الصادق، فلا يمكنهم أن ينهضوا إلا بأهلهم ومجتمعاتهم وأوطانهم.
ومن أرجى ما نرجوه في مواضيع التغرّب واللجوء، أن يُمنح الشباب مساحات أكبر للحوار والإبداع، وأن تعمل الجهات المختصة على إشراك الشباب بصورة أكبر في دراسة الأسباب التي قد تُشعرهم بالاختناق، وتوهمهم بأن طلبات اللجوء حقيقة، وأن الهروب حل، وأن الغربة فسحة. كما لا يمكن إغفال دور المؤسسات التعليمية والدينية في التركيز على بناء وعي ناضج لدى الشباب، يُمكّنهم من فهم قيمة وطنهم ودورهم في بنائه بدلًا من هدمه أو الهروب منه.
مسؤولية مشتركة
إن الأسرة هي النواة الأولى، والسياج الأخير، والنقطة الأهم في هذا السياق، لذا فإنه يتحتم على الأهل أن يستمعوا إلى أبنائهم، وأن يفهموا مشكلاتهم، وأن يُوفروا لهم بيئة داعمة تشعرهم بالأمان والانتماء.
كما يجب أن يُفتح حوار صريح وواعٍ بين الأجيال، لتوضيح الفروق بين الحرية الحقيقية والحرية المزعومة، وبين التقاليد كعائق والتقاليد كحاضنة، ويصنع رابطًا وثيقًا بين من خاضوا غمار الحياة فصنعت لهم الخبرات، وبين الناشئة الباحثين وسط الركام عن الذات.
وفي المقابل، على الشباب أن يُدركوا أن بناء الأوطان لا يتحقق بالهرب منها، بل بالعمل على تنميتها وتطويرها، وأن الحصول على الحقوق ليس بالتقليد الأعمى في ازدراء الأوطان وقادتها والأديان وقيمها والمجتمعات وعاداتها، ولا بأن يجعلوا من أنفسهم لقمة سائغة لمنظمات تعمل وفق سياسة ” فرّق تسد “، أو أفرادٍ هاربين من جرائمهم أو مطلوبين للعدالة، بل عليهم أن يتحلوا بالشجاعة لتجاوز الصعاب، بدلًا من الانجراف وراء سراب قد يؤدي بهم إلى الضياع.
وقد يلاحظ المتابع أن لوسائل التواصل الإلكترونية دور كبير في هذا الأمر، فقد تُغري بعض مستخدميها تلك الرسائل المسمومة التي تُبث من خلالها، والمقاطع التي ينشرها بعض طالبي اللجوء رغمًا عنهم، والتي في حقيقتها طُعم يستقطبون به فرائس جديدة، مما يجعلهم صيدًا سهلاً لتلك الأنياب الغادرة.
بين المقدار والقيمة
إن الحياة لا تُقاس بما نملكه من حرية مزعومة أو بما نعتقد أنه تغيير في المكان سيُغيرنا، ولا باللجوء الذي يحوّل الواحد منا إلى مرحلة العبودية لدى من يريد بنا السوء، بل تُقاس بقيمتنا التي نُضيفها لأنفسنا ولمن حولنا، ومقدار ما نصنعه لنا ولأهلينا وأوطاننا.
إليكم أيها الكرام
لا تُرخصوا أنفسكم بالهروب من أوطانكم بحثًا عن قيمة قد تجدونها في داخلكم، ولا تعتقدوا أن من كان سبباً في قتل الأطفال والنساء والشيوخ سيكون رؤوفاً بكم، ولا تظنوا أن من سلبوا حرية أبنائهم وأوهموا العالم بمعنى مغلوط وحقيقة زائغة عن الحرية سيعطونكم ما تتمنون.
ليكن شعاركم: “قدركم من قدر أوطانكم”، عبروا عن آرائكم، تحدّثوا مع بعضكم ومع من تختلفون مع آرائهم وأفكارهم، اشرحوا تحدياتكم وابحثوا عن الحلول مع من هم أخبر منكم، كونوا الساعد الأيمن لأسركم، وأدوات بناء لذواتكم وأوطانكم، فالأوطان هي المرآة التي تعكس ملامحنا وهويتنا، ومهما بعدنا عنها، سنبقى دائمًا بحاجة إلى دفء حضنها، وإلى ذلك الإحساس الذي يمنحه الانتماء لأرضٍ تعرفنا كما نحن. وتذكروا أن الوطن ليس جدارًا يُحاصر، بل أرضًا تزهر بنا وبأحلامنا، فلنبقَ أوفياء، لا لأننا لا نستطيع الرحيل، بل لأننا نعلم أن الرحيل يُرخصنا، والوطن يُعزّنا.