علي بن طالب الشيادي يكتب: عُمان وفلسطين نبضٌ واحد
- ورغم كل التحديات، ورغم ما تعانيه الأمة من خذلان، و رغم الوهن والضعف الذي دب في نفوس الكثيرين في العالم من حولنا، ها هي بلادنا العزيزة سلطنة عمان (مذ بدأت المعركة الوجودية طوفان الأقصى) تثبت من جديد أنها في نصرة الحق وأهله، وأن مواقفها ثابتة لا تغيرها رياح الحادثات
المسار | آراء الكُتاب
م. علي بن طالب الشيادي

نهارٌ كأنه الليل، وليلٌ بلا طعمٍ للراحة، ويومٌ يمر كأنه عام، وحقيقةٌ تمضي وكأنها حلم، وطفولةٌ توأد في مهدها، وزهرة شبابٍ تُذبح بلا هوادة، وكهولة تباغتها آلة القتل الآثمة، وامرأة لا يُرحم ضعفها، وحُرمات تستباح، ومجرمٌ يتمادى في إجرامه، وطاغيةٌ يتباهى بطغيانه، هذا ما يجري على أرض أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، بل هذا ما ظهر من ذلك، أما ما خفي فهو أعظم!
صَمتَ من صمت، وتخاذل من كُتب عليه الخذلان، وتبجّح آخرون بمناصرة الصهاينة، وتأييد طغيان المحتل المجرم، وبقي الشرفاء الأوفياء في صف أصحاب الحق، الساعين لتحرير أرضهم ومقدساتهم من الاحتلال الغاشم.
ورغم كل التحديات، ورغم ما تعانيه الأمة من خذلان، و رغم الوهن والضعف الذي دب في نفوس الكثيرين في العالم من حولنا، ها هي بلادنا العزيزة سلطنة عمان (مذ بدأت المعركة الوجودية طوفان الأقصى) تثبت من جديد أنها في نصرة الحق وأهله، وأن مواقفها ثابتة لا تغيرها رياح الحادثات.
هنا – و في ظل ذلك الصمت المطبق الذي ساد العالم، والتواطئ الذي تنتهجه بعضاٌ من الدول مع الكيان الغاصب – جاءت عمان كعادتها في الثبات على المبدأ، بكلمة قوية مدوية، وجاء فعلها مصدقاً لقولها، فلا احتفالات و لا زينة ولا سكوتٌ مخزي، بل أصواتٌ تصدح بأعلى صوتها (يجب محاسبة إسرائيل على جرائمها).
كان ولا يزال لبلادنا سلطنة عمان موقفها الإيجابي تجاه القضية الفلسطينية، وهذا ما تؤكده سلطنتنا الحبيبة في كل محفل، وعلى مختلف الأصعدة وفي كافة المستويات، فهنا مولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه يفتتح دور الانعقاد السنوي الأول للدورة الثامنة لمجلس عمان فيقول أبقاه الله: “إننا إذ نُتابعُ بِكُل أسى ما يتعرضُ له الأشقاءُ في فلسطينَ المحتلةِ، من عدوانٍ إسرائيليٍّ غاشمٍ، وحصارٍ جائرٍ؛ لَنُؤكّدُ على مبادئِنا الثابتةِ لإقامةِ الدولةِ الفلسطينيةِ وعاصِمَتُها القُدسُ الشرقيةُ، ومؤكدين على ضرورةِ تَحَمُّلِ المجتمعِ الدوليِّ مسؤولياتِه والتزاماتِه تجاهَ القضيةِ الفلسطينيةِ، والمسارعةِ في إيجادِ حلولٍ جذريةٍ لتحقيقِ آمالِ الشعبِ الفلسطيني في إقامةِ دولتِه المستقلةِ، وبذلك يَعُمُّ السلامُ في منطقتِنا ويَنعمُ العالمُ أجمعُ بالأمنِ والأمان.”
وها هي أم الوطن، السيدة الجليلة حفظها الله ورعاها تهنئ المرأة العمانية بيومها في الـ 17 من أكتوبر الماضي فتستذكر نساء فلسطين بقولها: “ولا بد لنا في هذا اليوم أن نستذكر ما تمر به شقيقاتنا في غزة وعموم فلسطين، ونُحيي موقفهن وصمودهن وسط القصف وويلات الدمار، وندعو الله أن يرفع عنهن كل أذى، ويكتب لهم السلام والأمان والاستقرار، ويحرر فلسطين حتى تعود شقيقاتنا إلى أداء دورهن المنشود.”
وهنا أيضا سيد الشباب، صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم وزير الثقافة والرياضة والشباب يؤكد في تهنئته بمناسبة يوم الشباب العماني في الـ 26 من أكتوبر 2023 : ” أنّ الشباب ببصيرته يقف أمام تحديّات العصر، وقضاياه موقفًا واعيًا، فها هو يقفُ أمام ما تعانيه فلسطين وقفةً أخويَّةً إلى جانب شباب فلسطين الذي ما يزال يتطلع إلى أمنه واستقراره على أراضيه المحتلّة، ومبادرات الشباب العُماني التي شهدناها خلال هذه الأيام خيرُ دليل على تمسكهم بقيم وأخلاقيات العدالةِ والإنسانيّة، التي نشأوا عليها في هذه الأرض الطيبة”.
وهذا هو الحال مع الحكومة والشعب العماني أجمع، بين بيان لوزارة الخارجية، وتأكيد من وزيرها فيما يخص القضية، وبين رسائل من سماحة الشيخ العلامة مفتي عام السلطنة، حين يفتح مدافع النار على زمرة الصهاينة بكلماته، وبين موقف واحدٍ لا تباين فيه، تحكيه كل ألسنة مسؤولي السلطنة من وزير ووكيل ورئيس هيئة و غيرهم، وممثليها من سفير ومندوب وغيرهم، فحوى ذلك الموقف أن لا جدال في الحق، فالحقّ أبلج، والقضية واضحة، و فلسطين للفلسطينيين وحدهم.
رسّخت عماننا العزيزة هذا المبدأ، وترجمت هذا القول بالفعل، فمنذ انطلاق معركة طوفان الأقصى المبارك، والهيئة العمانية للأعمال الخيرية تقدّم جهوداً إنسانية خيرية قلّ نظيرها، وتواصل الحملة إلى الحملة، بل وصل ممثلوها إلى ميدان العطاء، في وقت احتدم فيه التقاء الجمعان، وعزّ فيه الوصول، لتقول للجميع أن الدم واحد والعقيدة واحدة وأن المبادئ لا حياد عنها.
كما أن خُطب الجمعة التي تقدّمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية إنما تنصبّ في نصرة فلسطين والفلسطينيين، و في كل جمعة منذ السابع من أكتوبر لعام 2023م و حتى يومنا هذا نصلي صلاة الغائب على أرواح شهدائنا في غزة العزة وعموم أرض الأقصى المبارك.
وهنالك وزارة التربية والتعليم تقدّم دروساً عظيمة للناشئة من خلال الأنشطة اليومية التي تعرّف الأجيال بقضية الأقصى والأحداث الجارية، وتعزز ذلك بتضمين هذا الموضوع العظيم في الاختبارات، وجعله حديث الساعة الذي تُعرف الحقيقة من خلاله، وهكذا الحال مع مختلف المؤسسات في بلادنا العزيزة.
بل كل مؤسسات البلد ترجمت هذا التوجه العماني الإنساني الجميل، وجسّدت هذا المبدأ النبيل، مما انعكس في إيجاباً في كل أفراد المجتمع، فأصبح الصغير قبل الكبير يتحدث في هذا الشأن، ويبحث عما يعزز به الموقف، ويساند به القضية، وأصبحت مقاطعة كل ما يمت للكيان الصهيوني بصلة محل اهتمام وتنفيذ لدى الجميع.
كم نفتخر -نحن العمانيون- بثبات هذا الموقف، وصلابة التمسك بالمبدأ الذي لا مراء فيه، فالكيان الصهيوني الغاشم لا أرض له بيننا، ولا حق له عندنا، ولا عهد له معنا، وأما الأرض فهي فلسطين، وأما الحق فهو لأهلها، وأما القضية فهي قضيتنا، والفلسطينيون أهلنا، عقيدتنا واحدة، ودمنا واحد، وسيبقى -دائما- نبضنا واحد.