نورا الهاشمية تكتب: ساعة الذئب وقيام الليل
المسار | مقالات الرأي
نورا الهاشمية

وأنا أقرأ رواية عبدالوهاب السيد الرفاعي، المعنونة بـ”المعقد”. وهي رواية نفسية بامتياز، كعادة الرفاعي في أغلب رواياته، شدني ما ذكره من مصطلح يسمى بساعة الذئب، ولقد بحثت عنها لأتأكد فيما لو كانت حقيقية أم من نسج خيال الكاتب، وفعلًا وجدت هناك ما يصطلح على تسميته بساعة الذئب، لذلك قبل الولوج في الموضوع الذي أرغب في الكتابة عنه بالتفصيل، سأطلعكم بداية على كلام مهندسنا الروائي فيما يتعلق بتعريف هذا المصطلح ومن أطلقه عليه، وماذا يعني، ولماذا سمي بهذا الاسم.
ورد في الرواية سابقة الذكر، ما يلي نصه: “ساعة الذئب يتحدث هنا عن فيلم الرعب السويدي الشهير للمخرج (إنجمار بیرجمان ) والفيلم من إنتاج عام 1968، ويُعد من أهم أفلام الرعب في تاريخ السينما على الإطلاق، بناء على استفتاء أجرته جمعية الأفلام البريطانية عام 2012. وقد تحدث مخرج الفيلم عن سبب اختياره لهذا الاسم حين قال عبارته الشهيرة: “ساعة الذئب تشير للوقت بين الثالثة إلى الخامسة فجرًا.. ويقال إنها الساعة التي نكون خلالها في أوهن حالاتنا النفسية والجسدية، ففي هذه الساعة ينتحر من أصيب باكتئاب، وتحدث فيها النوبات القلبية وجلطات المخ لمن هو على استعداد لذلك. إنها الساعة التي يكون فيها النوم عميقا جدًا وتكاد الكوابيس تتحقق، إنها الساعة التي تسيطر فيها أعمق المخاوف على نفوس البشر وتكون الأشباح والشياطين في أوج قوتها”.
وقد تم اقتباس اسم الفيلم عام 1972 لعمل برنامج إذاعي يتحدث عن قصص الرعب والغموض يبث بواسطة قناة في نيويورك ويتم خلاله استضافة العديد من الكتاب في هذا المجال، علمًا بأن البرنامج ما زال مستمرًا حتى يومنا هذا، ويُعد أحد أقدم البرامج الإذاعية في العالم.
كل المقاربات تشير إلى أن هذه الساعة تكون من الثالثة إلى الخامسة فجرًا، وهي تقريبًا وقت الثلث الأخير من الليل، وهذا يجعلنا ندرك عظمة الدين الإسلامي، ونتساءل عن سر عظيم من أسراره، وهو لماذا كان أجر قيام الليل أكثر في الثلث الأخير من الليل حيث يكون العبد فيه أقرب لربه، والدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم :”أقرب ما يكون الرب عز وجل من العبد في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن”.
ولماذا ناشئة الليل أشد وطئا وأقوم قيلا، حيث يثني الله تعالى عليهم في قوله:” تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.
ولماذا أكثر الرسول صلى الله عليه وسلم من ذكر فضل قيام الليل في الثلث الأخير، ولماذا كان يحث أصحابه على هذا ، ولماذا كان قيام الليل محل مدح له صلوات ربي وسلامه عليه في الكثير من السور والآيات، وخاصة سورة المزمل، وما علاقة قيام الليل بعلاج الاكتئاب والتقليل من الانتحار، حيث يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن قيام الليل مطردة للداء من الجسد، حيث قال: “عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسد”. فعن أي داء يتكلم الرسول صلى الله عليه وسلم؟!
وهل هذا يفتح أذهاننا إلى أهمية قيام الليل، التي كان أشد وطئا كون أن النوم في ساعة الذئب، أي ساعة القيام، يكون أشد عمقًا وأغور قاعًا ، وتكون النفس أشد ضعفا وأوهن حالًا، لذلك تحتاج إلى هذا المدد الروحاني، الذي من تمسك به، فقد جاهد جهادًا عظيمًا، وفُتِح له باب هائل من أبواب تهذيب النفس والرقي بها روحيًا.
جزاك الله خيرا..واصلي