يوسف أحمد الحسن يكتب: القراءة والتقادم .. والقارئ السياحي

المسار | آراء الكتاب
يوسف أحمد الحسن
بين أن تقرأ فتكون مواكبًا لمستجدات ما يحدث حولك في مختلف الأمور الحياتية والثقافية والعلمية وغيرها، أو أن تهجر الكتاب فتتقادم لديك الأفكار ويتوقف الزمن عند نقطة معينة في عالم يعتبر التوقف فيه تخلفًا عن الركب الذي لا يتوقف؛ هي حكاية صراع بين جيلين أحدهما اعتبر القراءة أس الحياة والتقدم فيها، والآخر جعلها في ذيل سلم أولوياته.
فإذا سلمنا بأن القراءة والاطلاع على العلوم الحديثة بمختلف جوانبها هو ما يخلق الفرق في حياة الأمم ويصنفها متقدمة أو متخلفة، فإننا نحن المجتمعات بحاجة إلى أن نعيد النظر في أولوياتنا، وأن يكون للقراءة فيها موقع متقدم. لكن ليس المطلوب أي قراءة، بل القراءة الحقيقية؛ التي تعني فيما تعنيه قراءة الكتب المفيدة (ورقية كانت أو إلكترونية) لا السطحية، وأن يقرأ المبتدئ كتبًا خفيفة أو سهلة التناول، ثم ينتقل إلى ما هو أصعب قليلًا حتى يصل إلى ما يسمى لياقة القراءة؛ كما الرياضي الذي لا يبدأ بممارسة الرياضة الصعبة إلا بعد أن يقوم بتمارين التحمية والتمدد حتى يصل إلى لياقة بدنية مناسبة.
يحتاج الشاب لدينا بعدها أن يلتهم أمهات الكتب في مختلف حقول المعرفة، كالدين والتاريخ واللغة والعلوم الحديثة وغيرها حتى تكون أساسًا صلبًا لقراءاته في مستقبل حياته. فبدون قراءة أمهات الكتب هذه يبقى الشاب وكأنه واقف على أرض رخوة يستطيع أن يمضي في حياته لكن ليس بالجودة التي يمكن أن تمنحه إياها القراءة على المدى البعيد.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان هو أن يشعر بأن لديه من العلم ما يكفي، في حين أن جميع ما لديه من معرفة عفا عليه الزمن وأصبح متقادمًا خفيفًا تذروه الرياح القوية التي تعصف بالعالم ولا يستطيع أن يصمد أمام المتغيرات التي توازي أو تفوق سرعة الضوء، بحيث تصعب ملاحقة أخبارها فضلًا عن ملاحقة تفاصيلها.
ولذلك نستطيع القول باطمئنان هنا إن القراءة هي ما يصنع الفرق بين التقدم والتقادم في عالم يموج بالمتغيرات المتسارعة، والخيار بأيدينا؛ أن نقرأ فنتقدم.. أو نتوقف عنها فيتقادم كل شيء عندنا.
من جهة ثانية ، ومواصلة لموضوع القراءة .. هناك نوع من القُرّاء يتفاعل مع النصوص تفاعلًا خاصًّا يقوم على المتعة بشكل أساس، وتزجية الوقت بسعادة وسلام دون التعمق في المعاني والمفاهيم، تمامًا كما يفعل السائح عندما يزور بلدًا ويقضي فيه يومًا أو أيامًا، فيمر على أهم معالمه وأجملها، ويقيم في الأماكن التي تناسبه وتتناسب مع دخله، ويتعرف على الجوانب المشرقة منه بعيدًا عن كل ما قد يعكر صفوه؛ فلا يدلف مثلًا إلى الشوارع الخلفية أو الأحياء الشعبية والفقيرة، ولذلك فقد لا يتعرف على جميع خفايا ذلك البلد وتفاصيله.
وهكذا فإن هذا النوع من القراء (السياحي) لا يعمد إلى التوقف طويلًا عند المعاني وما خلفها، بل يكتفي بالقراءة السريعة، وربما السطحية، التي تدخل البهجة والمتعة والسلام إلى نفسه، وربما القليل من المعرفة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل هذه القراءة مطلوبة أم لا؟ ومن يحتاج إليها؟
الحقيقة أننا جميعنا يمكن أن نحتاج إلى مثل هذه القراءة بين الفينة والأخرى، تمامًا كما نحتاج إلى السفر والسياحة في أماكن لم نزرها من قبل، فنزورها ونتعرف على الجوانب والمناطق الجميلة فيها، ونبتعد عن كل منظر غيرِ جميل أو يمكن أن يعكر صفو سياحتنا. يحتاج إليها الجميع حتى من قضى عمرًا طويلًا في القراءة وتمرّس فيها قارئًا لمئات الكتب أو آلافها.
ولذلك فإن القراءة السياحية مطلوبة، بل ومفيدة رغم ما تبدو عليه من بساطة، ومن ثَم ينبغي أن نحاول تخيُّر ما يمكن أن يفيدنا منها بعيدًا عن الكتب الفكرية العميقة أو أي نوع من الكتب التي تحتاج إلى جهد لقراءتها. فقد تكون كتبًا ذات صفحات قليلة، أو ذات محتوى خفيف كالقصص القصيرة أو الروايات غير الطويلة والمسلية، وربما بعض الكتب المعلوماتية الخفيفة، أو كتب المسابقات أو الطرائف والنكت، أو الكتب المتعلقة بأدب الرحلات، خاصة تلك التي صيغت بأساليب أدبية جاذبة.